. . . . . . . . . .
شرح
يضر فلا يعذر في عدم الالتفات المذكور ، وبه يندفع الاعتراض بلزوم الإفحام . وللمصنف رحمه اللّه تعالى في كتاب الاقتصاد كلام موضح لهذا المحل ملخصه : أن الوجوب معناه رجحان الفعل على الترك لدفع ضرر في الترك موهوم أو معلوم ، والموجب هو اللّه تعالى لأنه المرجح ، ومعنى قول الرسول أن النظر في المعجزة واجب هو انه مرجح على تركه بترجيح اللّه إياه ، فالرسول يخبر عن الترجيح والمعجزة دليل صدقه في اخباره والنظر سبب لمعرفة الصدق والعقل آلة للنظر ولفهم معنى الخبر ، والطبع مستحث على الحذر عن الضرر بعد فهم المحذور بالعقل ، وبهذا تبين أن مدخل العقل من جهة أنه آلة للفهم لا أنه موجب .
تنبيه :
قال ابن الهمام : اعلم أن محل الاتفاق في الحسن والقبح العقليين إدراك العقل قبح الفعل بمعنى صفة النقص ، وحسنه بمعنى صفة الكمال ، وكثيرا ما يذهل أكابر الأشاعرة عن محل النزاع في مسألتي التحسين والتقبيح العقليين لكثرة ما يشعرون النفس أن لا تحكم للعقل بحسن ولا قبح ، فذهب لذلك عن خاطرهم محل الاتفاق حتى تحير كثير منهم في الحكم باستحالة الكذب عليه تعالى لأنه نقص ، حتى قال بعضهم : ونعوذ باللّه ممن قال لا تتم استحالة النقص عليه تعالى إلا على رأي المعتزلة القائلين بالقبح العقلي ، وحتى قال إمام الحرمين : لا يمكن التمسك في تنزيه الرب جل جلاله عن الكذب بكونه نقصا لأن الكذب عندنا لا يقبح لعينه ، وحتى قال صاحب التلخيص الحكم بأن الكذب نقص إن كان عقليا كان قولا بحسن الأشياء وقبحها عقلا ، وإن كان سمعيا لزم الدور . وقال صاحب المواقف : لم يظهر لي فرق بين النقص في الفعل والقبح العقلي ، فإن النقص في الأفعال هو القبح العقلي اه .
وكل هذا منهم للغفلة عن محل النزاع ، حتى قال بعض محققي المتأخرين منهم ، وهو السعد في شرح المقاصد بعد ما حكى كلام هؤلاء المذكورين ما نصه : وأنا أتعجب من كلام هؤلاء المحققين كيف لم يتأملوا أن كلامهم هذا في محل الوفاق لا في محل النزاع اه .
قال ابن أبي شريف ، فإن قيل : محل النزاع ومحل الوفاق إنما هما في أفعال العباد لا في صفات الباري سبحانه . قلت : الاختلاف بين الأشاعرة وغيرهم في أن كل ما كان وصف نقص في حق العباد فالباري تعالى منزه عنه وهو محال عليه ، والكذب وصف نقص في حق العباد .
فإن قيل : لا نسلم أنه وصف نقص في حقهم مطلقا لأنه قد يحسن ، بل قد يجب في الاخبار لسائل عن موضع معصوم يقصد قتله عدوانا . قلنا : لا خفاء في أن الكذب وصف نقص عند العقلاء وخروجه لعارض الحاجة للعاجز عن الواقع إلا به لا يصح فرضه في حق ذي القدرة الكاملة الغنى مطلقا سبحانه ، فقد تم كونه وصف نقص بالنسبة إلى جناب قدسه تعالى فهو مستحيل في حقه عز وجل .