ضررا ، ومعنى كون الشرع موجبا أنه معرف للضرر المتوقع فإن العقل لا يهدي إلى التهدف للضرر بعد الموت عند اتباع الشهوات ، فهذا معنى الشرع والعقل وتأثيرهما في تقدير الواجب ، ولولا خوف العقاب على ترك ما أمر به لم يكن الوجوب ثابتا ، إذ لا معنى للواجب إلا ما يرتبط بتركه ضرر في الآخرة .
شرح
قلت : وفيه نظر يحتاج إلى تأمل ، وقد يقال في الاعتراض على هذا التقدير أن مجرد تجويز العقل صدق ما يقول النبي ليس ملزوما عقليا للنظر ، ولا استحثاث الطبع ملزوما عقليا أيضا لا بمجرده ولا مع التجويز المذكور ، بل قد لا ينساق المكلف إلى النظر بسبب علة الشهوة على استحثاث الطبع مع قوّة النفس المانعة عن الانقياد ومع سهوها عن النظر في العواقب ويعود المحذور وهو لزوم الإفحام ، وحاصله منع الملازمة وقد يجاب بأنه مكابرة لما قرر أن مستند حكم العقل باللزوم إطراد العادة ومجرد التجويز العقلي لا يقدح في العلم باللزوم المستند ذلك العلم إلى العادة ، وقد يجاب عن تمسكهم بلزوم الإفحام بأن مقتضى ما ذكرتم من التمسك هو وجوب النظر المستلزم لوجوب الايمان عند دعوة النبي إليه وبه نقول ، وهو لا يفيد وجوب النظر على المكلف بلا دعوة من النبي ولا اخبار أحد له بما يجب الإيمان به وهو مطلوبكم ، وحاصله : إن ما أفاده دليلكم محل وفاق ولم يفد مطلوبكم الذي هو محل النزاع . ثم أشار المصنف إلى إبطال إيجاب العقل فقال : ( ومعنى كون الشيء واجبا أن في تركه ضررا ) ويكون تاركه ملوما ( ومعنى كون الشرع موجبا أنه معرف للضرر المتوقع ) في تركه ، ( فإن العقل ) بمجرده ( لا يهدي ) أي لا يرشد ( إلى التهدف ) كونه هدفا ( للضرر بعد الموت عند اتباع الشهوات ) والملذوذات ، ( فهذا معنى ) إيجاب ( الشرع والعقل وتأثيرهما في تقدير الواجب ، ولولا خوف العقاب على ترك ما أمر به ) ورجاء الثواب على فعل ما أمر به ( لم يكن الوجوب ثابتا ) في الحقيقة . ( إذ لا معنى للواجب إلا ما يرتبط ) أي يتعلق ( بتركه ضرر في الآخرة ) ، فهذا هو محل النزاع . والحاصل أن كل الواجبات تثبت ابتداء جبرا بحكم المالكية المقتضية لاستحقاق امتثال الأمر والنهي دون أمر يتوقف عليه الوجوبات ، بل هي متعلقة أزلا بمتعلقاتها من أفعال العباد دون ترتيب ، ولكن يتوقف تعلقها التنجيزي على فهم الخطاب بالإبلاغ . وقد تحقق كل ذلك في حق من أخبره بذلك الإيجاب بخبر لانتفاء الغفلة عنه بذلك الاخبار ، غير أن هذا التعلق التنجيزي قد يكون تعلقا بالواجب الذي هو النظر في دليل صدق المبلغ في دعواه النبوّة ، وقد يكون تعلقا بغير ذلك النظر من الواجبات ، فأما تعلق الوجوب بالنسبة إلى غير الواجب الذي هو النظر في دليل صدق المبلغ في دعواه النبوّة من الواجبات ، فإنه يتحقق بعد ثبوت صدقه في دعوى النبوّة ، وأما تعلق الوجوب في النظر في المعجزة فبمجرد الإخبار بذلك الوجوب لا يقدر المخاطب بالخبر في عدم الالتفات إليه بعد ما جمع له من الإبلاغ وآلة الفهم وهو العقل المجوّز لما ادعاه المخبر ، لأنه أي عدم الالتفات إليه بعد ما جمع له من الأمرين جرى على خلاف مقتضى نعمة العقل فإن مقتضاها استعمالها في جلب ما ينفع ودفع ما