الواقف : لا يثبت صدقك ما لم ألتفت ورائي ولا ألتفت ورائي ، ولا انظر ما لم يثبت صدقك ، فيدل هذا على حماقة هذا القائل وتهدفه للهلاك ولا ضرر فيه على الهادي المرشد ، فكذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن وراءكم الموت ودونه السباع الضارية والنيران المحرقة إن لم تأخذوا منها حذركم وتعرفوا لي صدقي بالالتفات إلى معجزتي وإلّا هلكتم ، فمن التفت عرف واحترز ونجا ، ومن لم يلتفت وأصر هلك وتردى ولا ضرر علي أن هلك الناس كلهم أجمعون ، وإنما عليّ البلاغ المبين » . فالشرع يعرف وجود السباع الضارية بعد الموت . والعقل يفيد فهم كلامه والإحاطة بإمكان ما يقوله في المستقبل ، والطبع يستحث على الحذر من الضرر ، ومعنى كون الشيء واجبا أن في تركه
شرح
( لا يثبت ) عندي ( صدقك ما لم ألتفت ورائي ) وانظر ( ولا ألتفت ورائي ولا أنظر ما لم يثبت صدقك ، فيدل هذا ) كما لا يخفى ( على حماقة هذا القائل ) وسقوطه عن حيز الاعتبار ( وتهدفه ) أي : نصب نفسه هدفا ( للهلاك ولا ضرر فيه على الهادي المرشد ) للنجاة ، ( فكذلك النبي يقول ) لمن بعث إليهم ما معناه : اعلموا ( أن وراءكم ) أي خلفكم أو أمامكم فإنه من الأضداد ، والمعنى صحيح على الوجهين ( الموت ) أي لا بدّ منه ( ودونه السباع الضارية ) لعله أراد بذلك ملائكة العذاب على التشبيه وإلا لا مناسبة لذكرها بعد الموت ، ولذا أسقط هذه الجملة ابن الهمام في المسايرة ( والنيران المحرقة إن لم تأخذوا حذركم منها ) بالتوبة والتصديق والعمل الصالح ( وتعرفوا لي صدقي بالإلتفات إلى معجزتي ) فإن إعراضكم عن قبول ما جئت به أو تكذيبكم إياي موجب للهلاك الأبدي وهو الخلود في العذاب الأليم ( فمن التفت ) منكم بأن نظر في معجزاتي ( عرف ) صدقي ( واحترز ) أي : صار في حرز ( ونجا ) من الهلاك الأبدي ، ( ومن لم يلتفت ) منكم بالنظر فيها ( وأصر ) على عناده ( هلك ) هلاكا ، بل ( وتردى ) على أم رأسه في الهاوية ، ( ولا ضرر علي أن هلك الناس كلهم ) أي جميعهم ، وقوله : ( أجمعون ) تأكيد له ، ( وإنما عليّ البلاغ المبين ) أي المظهر للحق ، ( فالشرع يعرف وجود السباع الضارية بعد الموت ) ويحذر من عذاب النار ، ( والعقل يفيد فهم كلامه ) أي الخطاب ( و ) يفيد ( الإحاطة بإمكان ما يقول في المستقبل ) من الزمان ، فيجوز العقل صدق ما يقول النبي قبل النظر في المعجزة ، ( والطبع يستحث على الحذر من الضرر ) . وذلك يحمل العاقل على النظر لا محالة فيمتنع تخلف النظر في عادة العقلاء ، فيكون مجرد تجويز العقل ما يقول النبي مع استحثاث الطبع على الحذر من الضرر ملزوما عقليا ، أي يحكم العقل بأنه ملزوم للنظر فلا يتخلف النظر عنه ومستند حكم العقل فيه إطراد العادة .
قال ابن أبي شريف : انه ليس المراد بالنيران فيما مرّ نيران الآخرة لأنها وراء الموت لا دونه ، ولأنها لم تثبت عند المخاطبين بعد ، بل المراد بها وبالموت تعظيم ما وراءهم وتهويله لا الموت الحقيقي .