تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
المكلف فيه ، فإذا قال المكلف للنبي : ان العقل ليس يوجب على النظر ، والشرع لا يثبت عندي إلا بالنظر ولست أقدم على النظر ، أدى ذلك إلى إفحام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قلنا : هذا يضاهي قول القائل للواقف في موضع من المواضع ان وراءك سبعا ضاريا فإن لم تبرح عن المكان قتلك وإن التفت وراءك ونظرت عرفت صدقي ، فيقول
شرح
فلأن وجوب الوسيلة عقلا من حيث هي وسيلة يقتضي وجوب المقصود كذلك ، وأما الملازمة الثانية فقد أشار إليها المصنف بقوله : ( فإذا لم يجب النظر والمعرفة إلا بالشرع ) أي إذا حصرتم مدارك الأحكام في الشرع المنقول دون قضايا العقول ، ( والشرع لا يستقر ما لم ينظر المكلف فيه ، فإذا ) أظهر الرسول معجزته ودعا الخلق إلى النظر فيها ليعلم صدقه ( قال المكلف للنبي : إن العقل ليس يوجب على ) أي لا يجب على ( النظر ) إلا بشرع مستقر ، ( و ) أما ( الشرع ) فإنه ( لا يثبت ) في حقي ( إلا بالنظر ) المؤدي إلى علمي بثبوته . ( ولست أقدم على النظر ) لأعلم ثبوت الشرع في حقي ما لم يجب ( أدّى ذلك إلى ) الدور وهو باطل ، وأدى أيضا إلى ( إفحام الرسول ؟ قلنا ) في الجواب : ما ذكرتموه ينعكس عليكم في ايجاب العقول ، فإن العقل لا يوجبه بضرورته لأمرين : أحدهما : اختلاف العقلاء فيه ، الثاني : أنه يتوقف على أمور نظرية ، والمتوقف لا يكون ضروريا بيان وقوعه على الأمور النظرية أنه يتوقف على إيجاب المعرفة وهو نظري وإيجاب النظر بوجوب المعرفة بناء على أن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب وهو نظري أيضا ، وأنه لا طريق سواه وهو نظري ، فتعين أن ما يوجبه النظر وإن كان كذلك فللعاقل أن يمتنع من النظر حتى يوجبه العقل ، فيقول : لا أنظر ما لم يجب ولا يجب ما لم أنظر هذا من حيث الجدل ، وأما من حيث التحقيق فإن وجوب النظر لا يتوقف على نظر المكلف ، بل متى ورد الشرع وأخبر بالإيجاب وكان المكلف بحال يصح منه النظر والاستدلال ، فقد تحقق الشرع . والموقوف على نظره علمه بالوجوب لا نفس الوجوب والمشروط في التكليف أن يكون المكلف له سبيل إلى العلم بما كلف به ، فإن من أغلق عليه بابا وقال مهما خطر لي من الحركات والسكنات أفعله ولا تكليف للّه تعالى عليّ لأنني لم أطلع على حكمه يكون عاصيا بالاجماع ، فإنه لا يخلو إما أن يكون من أهل الاجتهاد أولا ، فإن كان من أهل الاجتهاد فالواجب عليه أن ينظر ليعلم حكم اللّه تعالى بالاجماع ، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد وجب عليه السؤال وتقليد من يعرف حكم اللّه تعالى ، و ( هذا ) القدر المفروض صدوره من المكلف لنبيه ساقط عن الاعتبار ، إذ ليس مثله مما يصدر عن عاقل فلا يكون عذرا لقائله في ترك النظر . وقد ضرب المصنف له مثلا ليفهم فقال : هو ( يضاهي ) أي يشابه ( قول القائل للواقف في موضع من المواضع ) قصدا للإرشاد إلى النجاة ؛ ( إن وراءك ) أي خلفك ( سبعا ) وهو الحيوان المفترس ( ضاريا ) وصفه بالشدة والضراوة ( فإن لم تنزعج ) هكذا في سائر النسخ ، وفي بعضها : فإن لم تبرح ( عن المكان ) الذي أنت فيه بالحركة والانتقال ( قتلك ، وإن التفت وراءك ونظرت عرفت صدقي ) أي صدق قولي ، ( فيقول ) له ذلك ( الواقف ) المذكور :