تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
فإن قيل : فإذا لم يجب النظر والمعرفة إلا بالشرع والشرع لا يستقر ما لم ينظر
شرح
وقالت الأشاعرة قاطبة : ليس للعقل نفسه حسن وقبح ذاتيان ولا لصفة توجبهما ، وإنما ورد الشرع بإطلاقه وقبحه وروده بحظره ، وإذا ورد بذلك حسناه أو قبحناه بهذا المعنى ، فحاله بعد ورود الشرع بالنسبة إلى الوصفين كحاله قبل وروده فلا يجب قبل البعثة شيء لا إيمان ولا غيره ولا يحرم كفر . وقالت الحنفية قاطبة : بثبوت الحسن والقبح للعقل على الوجه الذي قالته المعتزلة ، ثم اتفقوا على نفي ما بنته المعتزلة على اثبات الحسن والقبح للفعل من القول بوجوب الأصلح ووجوب الرزق والثواب على الطاعة والعوض في إيلام الأطفال والبهائم والعقاب بالمعاصي إن مات بلا توبة بناء على منع كون مقابلاتها خلاف الحكمة ، بل قالوا : ما ورد به السمع من وعد الرزق والثواب على الطاعة وألم المؤمن والطفل حتى الشوكة يشاكها محض فضل وتطول منه لا بدّ من وجوده لوعده ، وما لم يرد به سمع كتعويض البهائم على آلامها لم نحكم بوقوعه ، وإن جوّزناه عقلا . ولا اعلم أحدا منهم جوّز عقلا تكليف ما لا يطاق فهم في هذا مخالفون للأشعرية ، ومع القول بالحسن والقبح العقليين اختلفوا هل يترتب على العلم بثبوت أحدهما أن يعلم حكم اللّه في ذلك الفعل تكليفي ، فقال الأستاذ أبو منصور الماتريدي ، وعامة مشايخ سمرقند : نعم يعلم على هذا الوجه وجوب الايمان باللّه وتعظيمه وحرمة نسبة ما هو شنيع إليه تعالى ، كالكذب والسفه ووجوب تصديق النبي وهو معنى شكر المنعم . وروى الحاكم الشهيد في المنتقى عن أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى أنه قال : لا عذر لأحد في الجهل بخالقه لما يرى من خلق السماوات والأرض وخلق نفسه وسائر مخلوقاته ، وعنه أيضا لو لم يبعث اللّه رسولا لوجب على الخلق معرفته بعقولهم ، ونقل هؤلاء مذهب المعتزلة على خلاف المهيع الأوّل قالوا : العقل عندهم إذا أدرك الحسن والقبيح يوجب بنفسه على اللّه وعلى العباد مقتضاهما ، وعندنا معشر الحنفية الموجب لمقتضى الحسن والقبح هو اللّه تعالى يوجبه على عباده ولا يجب عليه شيء باتفاق أهل السنة ، والعقل عندنا آلة يعرف به ذلك الحكم بواسطة أن يطلعه اللّه على الحسن والقبح الكائنين في الفعل ، وإذا لم يوجب العقل ذلك لم يبق دليل على الحكم للأفعال من ذلك وغيره إلا السمع ، وقد قام دليل السمع على عدم تعلق الحكم بالعباد قبل البعثة . قال تعالى :وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا[ الإسراء : 15 ] ، وجه الاستدلال أنه نفى العذاب مطلقا في الدنيا والآخرة ، وذلك نفي لازم الوجوب والحرمة ، وانتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم ، وحمل بعضهم العذاب في الآية على عذاب الدنيا وهو مدفوع بأنه تخصيص بغير دليل وخلاف مقتضى إطلاق لفظ العذاب بلا موجب يقتضي التخصيص اه . ( فإن قيل ) : من طرف المعتزلة ليس تخصيص العذاب في الآية بعذاب الدنيا خلاف مقتضى الاطلاق فلا موجب بل هو خلاف له موجب عقلي ، وهو ان الواجبات كالنظر المؤدي إلى الإيمان بوجود الباري تعالى ووحدانيته ، لو لم يكن عقليا لزم الدور ، وإذا وجب النظر المؤدي إلى الإيمان عقلا وإن لم يرد الشرع وجب الإيمان عقلا ، لأن العلم بوجوبه لازم للنظر الصحيح المؤدي إليه الذي هو أوّل واجب ، ويلزم من وجود الملزوم وجود اللازم . أما الملازمة الثانية