. . . . . . . . . .
شرح
الشبهة الثانية : قالوا : من له غرض يناله إن صدق أو كذب فإنه يختار الصدق على الكذب ما ذاك إلا لحسنه عقلا . قلنا : موجبه اعتقاد الشرائع . قالوا : نفرضه فيمن لم يعتقد ذلك . قلنا :
لاعتقاده موجب مذهبكم قالوا : نفرضه فيمن نشأ في جزيرة ولم يتصل به شرع ولا خالط غيره من أرباب المذاهب . قلنا : إذا بالغتم في الفرض إلى هذه الصورة فحينئذ يمنع ترجيحه للصدق .
والشبهة الثالثة : قالوا لو حسن من اللّه كل شيء لحسن منه خلق المعجزة على يد الكاذب وحينئذ لا يتميز النبي على المتنبىء . قلنا : من صار من أصحابنا إلى أن دلالة المعجزة عقلية ، فإنه يمنع صدور ذلك على يد الكاذب لأن الدلالة العقلية تدل لنفسها ، فلو وجدت غير دالة لانقلب الدليل شبهة والعلم جهلا ، وقلب الأجناس محال ، ومن صار إلى أن دلالتها عادية جوّز صدورها على يد الكاذب . قال : والجواز للعقل لا يمنع القطع بالدلالة بناء على استمرار العادة كما انا نقطع بأن كل إنسان نشاهده مخلوق من أبوين وإن جوّزنا خلقه من غير تردد في أطوار الخلقة وذلك الجواز لا يمنعنا من الجزم .
الشبهة الرابعة : قالوا : لو لم يكن الكذب قبيحا لعينه لجاز أن يخلق اللّه تعالى كذبا ويتصف به . قلنا : هذا لازم أصلكم فإنكم تزعمون أن المتكلم من فعل الكلام ، ونحن نقول المتكلم من قام به الكلام ، وكلام اللّه تعالى أزلي متصف بالصدق ، ويستحيل وصفه بالكذب لما فيه من النقص اه .
وقال شارح الحاجبية : لو حسن الفعل أو قبح لذاته لما اختلف لأن ما بالذات لا يختلف ، لكنه قد اختلف كالقتل ظلما وحدا والضرب تعذيبا وتأديبا ، وأيضا لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب لم يكن تعلق الطلب لنفسه لتوقفه على أمر زائد على ذلك التقدير وهو الحسن والقبح ، والتالي باطل لما يلزم عليه من تخلف الصفات النفسية فالمقدم مثله اه .
فصل
وحاصل ما في المسايرة وشرحه ما نصه : لا نزاع في استقلال العقل بادراك الحسن والقبح بمعنى صفة الكمال والنقص كالعلم والجهل والعدل والظلم ورد شرع أم لا . وكذا بمعنى ملاءمة الغرض وعدمها كقتل زيد بالنسبة إلى أعدائه وأوليائه وفاقا منا ومن المعتزلة ، وإنما النزاع باستقلاله بدركه في حكم اللّه تعالى ، فقالت المعتزلة : نعم يجزم العقل بثبوت حكم اللّه تعالى في الفعل بالمنع على وجه ينتهض سببا للعقاب إذا أدرك قبحه وبثبوت حكمه تعالى فيه بالإيجاب له والثواب بفعله والعقاب بتركه إذا أدرك حسنه على وجه يستلزم تركه قبحا كشكر المنعم بناء منهم على أن للفعل في نفسه حسنا وقبحا ذاتيين أي تقتضيهما ذات الفعل كما ذهب إليه قدماؤهم ، أو لأجل صفة فيه حقيقة توجبها له ، كما ذهب إليه الجبائية وبأنه قد يستقل بدركهما العقل فيعلم حكم اللّه تعالى باعتبارهما فيه ، وقد لا يستقل فلا يحكم فيه بشيء حتى يرد الشرع .