. . . . . . . . . .
شرح
وقبح صوم أوّل يوم من شوّال ، وقد تمسك الأصحاب في الرد عليهم بالمناقضة العرفية والمذهبية والعقلية .
فأما العرفية فقالوا : ادعيتم إدراك حسن بعض الأفعال وقبحها بضرورة العقل وحكم الضروري أن لا تختلف فيه العقلاء عادة وعرفا ، ونحن نخالفكم ولا يمكنكم حمل ذلك على العناد ، فإن العادة تحيل مثل ذلك من الجماء الغفير مع توالي العصور ومر الدهور . قالوا : إنا لم نخالفكم في شيء البتة فإنا نحسن جميع ما تحسنونه ونقبح جميع ما تقبحونه ، وإنما الخلاف في المدرك فنحن نقول : إنه من العقل وأنتم تقولون انه من الشرع ، ولا يبعد الاختلاف في المدرك بعد الاتفاق على أصل الحكم كاختلافكم مع الكعبي في أن خبر التواتر يفيد العلم ضرورة أو نظرا . وأجاب الأصحاب بوجهين : أحدهما : أنا لم نتفق قط في صورة إلا في اللفظ ، والحسن منا ومنكم مقول بالاشتراك اللفظي فنحن نقول : إنه يرجع إلى تعلق الخطاب والقول ولا يكتسب المقول من القول صفة كما لا يكتسب المعلوم من العلم صفة ، وأنتم تزعمون أنه صفة في المحل نفسه أو تابعة له في الحدوث عند الجمهور منكم ، ونحن ننفي القسمين معا . الثاني : إنا لا نسلم الكلية فإنه يحسن عندنا من اللّه تعالى إيلام البرايا من غير جرم سابق ولا التزام عوض لا حق ، وأنتم لا تقضون بحسنه من اللّه تعالى إلا بأحد الأمرين ، فلم نتفق في كل صورة .
وأما المناقضة المذهبية فقالوا : ادعيتم أن الإيلام قبيح وإنه يحسن للنفع الراجح ، وادعيتم أن الكذب قبيح وأنه لا يحسن في النفع الراجح ، ومن صور ذلك أن يكون فيه نجاة نبي ، فقال أبو هاشم : التزم التسوية بين الصورتين واحكم ان الكذب يحسن في مثل هذه الصورة ، فقيل له : إذا قلت أن من جنس الكذب ما يوصف بالحسن ، ومن أصلك ان كل حسن يصح من اللّه فعله ، والمتكلم على أصلك من فعل الكلام لا من قام به ، فجوّز أن يخلق اللّه تعالى كذبا نافعا ويتصف به فتبلد ولم يجد جوابا .
وأما المناقضة العقلية ؛ وهو أن القتل ابتداء كالقتل بناء فإنهما مستويان في الصورة والصفة بدليل أن الغافل في المستند فيهما لا يفرق بينهما ، وقد قضيتم بقبحه ابتداء وبحسنه بناء ، وحكم المثلين أن لا يفترقا في صفات النفس ولا ما يلازم النفس ، وللمعتزلة شبه .
الأولى : قالوا : إن العقلاء مجمعون على تحسين الصدق النافع وتقبيح الكذب الضار ، والظلم الذي لا ينتفع به الظالم وتحسين شكر المنعم وانقاذ الهلكى والغرقى قالوا : وقد اعترف بذلك من ينفي الشرائع من البراهمة ، فدل على أنه من موجبات العقول ، قلنا : ذلك يرجع إلى الملاءمة والمنافرة . ونحن نسلمه ومحل النزاع غير ذلك ، وهو أنه إذا فعل شيئا من ذلك يثاب عليه في الآخرة أو يعاقب على تركه ومجرد العقل لا يهتدي لذلك . وأما قولكم : إن البراهمة حسنت بعقولها . قلنا : جهلوا كجهلكم كما أنهم قبحوا إيلام البهائم مطلقا وأنتم تحسنونه بجناية سابقة أو التزام عوض لا حق .