تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
. . . . . . . . . .
شرح
والشكر هو تصوّر النعمة وإظهارها والكفران نسيان النعمة وسترها ( لما له من الارتياح ) والانبساط ( والاهتزاز ) والاهتشاش ( والتلذذ بأحدهما دون الآخر ) ، وغاية ما يقال فيه : انه يرجع إلى ملاءمة الطبع وليس هذا محل النزاع . وقال أبو الخير القزويني : من شرط الموجب أن يكون حيا عالما ملكا قادرا على الثواب والعقاب ، والعقل عرض يستحيل أن يتصف بصفة مّا ، وأيضا فإن العقل لو صلح للايجاب بشيء لصلح ايجاب جميع الواجبات ، وأيضا نحن نرى فعلين متماثلين وأحدهما حسن والآخر قبيح كالوطء نكاحا والوطء سفاحا ، وكالقتل ابتداء والقتل احتذاء ، فدل على أن الحسن والقبح بإثبات الشرع فقط اه . وأوسع الكلام في إبطال هذه المسألة ابن التلمساني في شرح اللمع فقال : اعلم أن الحسن والقبيح يطلقان باعتبارات ثلاثة : الأوّل : الحسن هو الملائم للغرض والقبيح هو المخالف للغرض ، والملاءمة ترجع إلى ميل النفس والطبع ، وهما بهذا الاعتبار يرجعان إلى أمر عرفي مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال وتفسير الحسن والقبح بهذا الاعتبار لا نزاع فيه . الثاني : الحسن كل صفة كمال كالعلم بنوعه ، والقبح ضده كالجهل بنوعه وهذا عقلي لا نزاع فيه أيضا . الثالث : الحسن ما ينال فاعله الثناء من اللّه تعالى والثواب أو اللوم والعقاب على تركه في الدنيا والآخرة ، والقبيح ضده وهذا محل النزاع فالأشعرية تقول ان ذلك يرجع إلى وقوع جائز غيبي ، ووقوع الجائزات الغيبية لا يهتدى إليه إلا بأنباء الصادق عادة ، والمعتزلة والخوارج والكرامية تقول إن الباري تعالى حكيم وأن الحكيم لا يفعل ولا يأمر ولا ينهي إلا على وفق الحكمة ، والباري لا ينتفع ولا يتضرر ، فتعين حصر الصلاح فيما يرجع إلى جلب نفع للعبيد أو دفع ضرر عنهم . قالوا : وإذا كان مضمون الفعل مصلحة خالصة أو راجحة ، فالحكيم لا بد أن يرجح فعله على تركه ، وإن كان مضمونه مفسدة خالصة أو راجحة ، فالحكيم لا بد أن يرجح تركه على فعله وإن استوت جهة المصلحة والمفسدة فيه ، فموجب ذلك التخيير ، فإذا وقفنا بعقولنا على شيء من ذلك إما بضرورة أو نظر حكمنا به ، وإن وقفت العقول عن إدراك شيء من ذلك تلقيناه من الشارع ، فالشرع مخبر عن حال المحل كالحكيم الذي يخبر عن هذا العقار انه بارد أو حار لا انه يثبت حكما في المحل ، وعلى هذا الأصل يعسر عليهم القول بالقبح ، ثم قسموا الأفعال إلى ثلاثة أقسام : منها ما يدرك حسنه وقبحه بالضرورة كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار ، ومنها ما يدرك حسنه وقبحه بالنظر كحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع ، ومنها ما لا يستقل العقل بإدراك حسن فيه ولا قبح حتى يرد الشرع فيه كحسن صوم آخر يوم من شهر رمضان