تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
بالعقل - خلافا للمعتزلة - لأن العقل وإن أوجب الطاعة فلا يخلو إما أن يوجبها لغير فائدة وهو محال ، فإن العقل لا يوجب العبث ، وإما أن يوجبها لفائدة وغرض وذلك لا يخلو إما أن يرجع إلى المعبود وذلك محال في حقه تعالى ، فإنه يتقدس عن الأغراض والفوائد ، بل الكفر والايمان والطاعة والعصيان في حقه تعالى سيان ، وإما أن يرجع ذلك إلى غرض العبد وهو أيضا محال لأنه لا غرض له في الحال ، بل يتعب به وينصرف عن الشهوات بسببه وليس في المآل إلا الثواب والعقاب . ومن أين يعلم أن اللّه تعالى يثيب على المعصية والطاعة ولا يعاقب عليهما ، مع أن الطاعة والمعصية في حقه يتساويان إذ ليس له إلى أحدهما ميل ولا به لأحدهما اختصاص ، وإنما عرف تمييز ذلك بالشرع ، ولقد زل من أخذ هذا من المقايسة بين الخالق والمخلوق حيث يفرق بين الشكر والكفر إن لما له من الارتياح والاهتزاز والتلذذ بأحدهما دون الآخر .
شرح
وللماتريدية على ما سيأتي بيان أقوالهم في ذلك ، والدليل عليه من النقل والعقل . ولما كان الدليل النقلي الذي هو قوله تعالى :وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ[ الاسراء : 15 ] ، يحتمل العذاب الدنيوي ويحتمل العذاب الأخروي أعرض عنه وتمسك بدليل العقل ، فقال : ( لأن العقل ) إذا كان موجبا ( ان أوجب الطاعة ) للّه تعالى ( فلا يخلو فإما أن يوجبها لغير فائدة ) عاجلة أو آجلة ( وهو محال ، فإن العقل لا يوجب العبث ) وهو ما لا فائدة فيه ، ( وإما أن يوجبها ) أي الطاعة ( لفائدة وغرض وذلك لا يخلو إما أن يرجع ) ذلك الغرض ( إلى المعبود ) جل وعز ( وذلك محال ، فإنه ) تعالى ( يتقدس ) ويتنزه ( عن الأغراض والفوائد ) إذ الغرض هو الحامل للفاعل على تحصيل كمال عنده أو به أو دفع نقص كذلك وكل ذلك يستحيل على الباري جل وعز ، ( بل الكفر والايمان والطاعة والعصيان في حقه تعالى سيّان ) أي متساويان ، ( وإما أن يرجع إلى غرض العبد وهو محال ) أيضا ( لأنه ) لا يخلو إما أن يكون في الحال أو في المآل ، ومن المعلوم البيّن أنه ( لا غرض له في الحال بل يتعب به ) ويقع في تكليف ومشقة ( وينصرف عن الشهوات ) النفسية ( بسببه و ) أيضا ليس له غرض في المآل لأنه ( ليس في المآل ) أي في الآخرة ( إلا الثواب والعقاب ) على الطاعة والعصيان ، ( ومن أين يعلم ) للعبد بالبناء للمفعول واللام مفتوحة ( إن اللّه ) تعالى ( يثيب ) أي يجازي ( على المعصية والطاعة ولا يعاقب عليها ) أي على كل منهما ولا طريق إلى العلم بذلك ، ( مع أن الطاعة والمعصية في حقه يتساويان إذ ليس له إلى أحدهما ميل ) يعرف به ( ولا به ) أي بالعبد ( لأحدهما اختصاص ، وإنما عرف تمييز ذلك ) من بعضه ( بالشرع ) على لسان الرسل ، فثبت بذلك أن الموجب هو الشرع لا العقل ، ومنهم من أخذ هذه المسألة بالمقايسة بين الشاهد والغائب ، وقد ردّ عليه المصنف بقوله : ( ولقد زلّ ) أي وقع في الزلل ( من أخذ هذا من المقايسة بين الخالق والمخلوق حيث يفرق المخلوق ) ويميز ( بين الشكر والكفران ) ،
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 300 | مرتضى الزبيدي