تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
وفق إرادته ، وهذا من أين يوجب رعاية الأصلح ؟ وإنما الحكيم منا يراعي الأصلح نظرا لنفسه ليستفيد به في الدنيا ثناء وفي الآخرة ثوابا أو يدفع به عن نفسه آفة . وكل ذلك على اللّه سبحانه وتعالى محال . الأصل الثامن : أن معرفة اللّه سبحانه وطاعته واجبة بإيجاب اللّه تعالى وشرعه لا
شرح
وقال ابن التلمساني : الحكيم هو الذي يفعل على وفق إرادته وعلمه ويرجع معناه إلى صفة العلم والقدرة . وفي الأسماء والصفات لعبد القاهر البغدادي : الحكيم هو العالم بالمستور الخفي على غيره ، فهو من الأوصاف الثابتة له في الأزل ، لأنه في الأزل كان عالما بجميع المعلومات على التفصيل ، وقيل : هو المحكم لأفعاله على اتقانها أو هو الممتنع عن الفساد ، فهو إذا من الأوصاف التي استحقها بفعله ولا يكون حينئذ من أوصافه الأزلية ، وعلى المعنى الآخر من أوصافه المشتقة من أفعاله . وقد اختلف في معنى الحكيم فقال أصحابنا : الحكيم في فعله من أصاب مراده على حسب قصده ، وعند المعتزلة من كان في فعله منفعة له أو لغيره اه . ( وهذا من أين يوجب رعاية الأصلح ) والصالح للعباد ؟ ومن أصول المعتزلة حمل الغائب على الشاهد وقد رد عليهم المصنف ذلك بقوله : ( وإنما الحكيم منا ) أي إذا أطلق الحكيم على أحدنا أريد به ذو الحكمة وهي إصابة الحق بالعلم والعمل فهو ( يراعي الأصلح ) والصالح ( نظرا لنفسه ليستفيد به في الدنيا ثناء ) جميلا ( وفي الآخرة ثوابا ) جزيلا ، ( أو يدفع به ) أي بمراعاة الأصلح ( عن نفسه ) مضرة عاجلة أو آجلة ( رأفة ) لها ( ورحمة ) عليها ، ( وكل ذلك على اللّه سبحانه وتعالى محال ) ، وقد أظهروا فساد قول المعتزلة من أن الحكمة ما كان موضوعا لطلب منفعة أو لدفع مضرة بوجوه كثيرة ليس هذا محل ذكرها ، وباللّه التوفيق .

[ الأصل الثامن : أن معرفة اللّه سبحانه وطاعته واجبة بإيجاب اللّه تعالى ]

( الأصل الثامن : أن معرفة اللّه سبحانه ) بتوحيده واتصافه بصفات الكمال وطاعة أوامره ( واجبة ) على كل مكلف اتفاقا ولكن وجوبها عند أهل الحق ( بإيجاب اللّه تعالى وشرعه ) بواسطة رسله الكرام ( لا بالعقل ) أي مما يجب الإيمان به أن العقل لا يستقل بإدراك المؤاخذة الشرعية المتعلقة بالفعل والترك فلا تحسين ولا تقبيح بالعقل ، وهذا الأصل هو الملقب بالتحسين والتقبيح العقليين ، وعليه يترتب ما ذكره المصنف قبل هذا في الأصلين من مسألة التكليف وإيلام البهائم ، ولذا قيل : إن تقديم هذا البحث عليهما كان أحسن ، وقد لاحظ ذلك ابن الهمام في المسايرة فأورد الكل في أصل واحد ، وحاصل الكلام فيه : أن أهل السنّة والجماعة من الأشاعرة اتفقوا على أن الأفعال توصف بالحسن والقبح ، لكن لا لذواتها ولا لأوصافها ولا لاعتبارات تلحقها ، وإنما توصف من حيث تعلق خطاب الشرع بها ، فإن تعلق بها نهي فهي قبيحة ، فإذا القبيح ما نهى الشارع عنه ، وإن لم يتعلق بها نهي فهي حسنة فإذا الحسن ما لم ينه اللّه عنه ، فالحسن راجع إلى كون الفعل لم يتعلق به نهي ، والقبيح راجع إلى كون الفعل تعلق به نهي ، فنفس الفعل أوجب له هذا الحكم من الحسن والقبح الذي هو محل النزاع ( خلافا للمعتزلة ) جمهورهم
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 299 | مرتضى الزبيدي