تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
الأصل السابع : أنه تعالى يفعل بعباده ما يشاء فلا يجب عليه رعاية الأصلح لعباده لما ذكرناه من أنه لا يجب عليه سبحانه شيء ، بل لا يعقل في حقه الوجوب فإنه
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
[ الأنبياء : 23 ] ، وليت شعري بما يجيب المعتزلي في قوله : « إن
شرح
مذهبه لأن عدم جواز العفو عن الكفر بأن يعاقب عليه أبدا يلزمه عدم جواز دخول الكافرين الجنة عقلا ، ونحن لا نقول بامتناع العفو عن الكفر عقلا بل سمعا كالأشعري ، وظنهم أنه مناف للحكمة لعدم المناسبة غلط وقولهم : تعذيب الكفار واقع لا محالة بالاتفاق فيكون وقوعه على وجه الحكمة ، فعدم التعذيب على خلافها . لنا : مناسبة الشئ الواحد للضدين ثابت في الشاهد حيث ثبت في العقل مناسبة قتل الملك لعدوه إذ ظفر به تشفيا لما عنده من الحنق عليه وعفوه عنه إظهارا لعدم الالتفات إليه تحقيرا لشأنه ، وقدمنا أنه يستحيل عليه تعالى الاتصاف بحقيقة الحنق ليتشفى بالعقاب ، فالباعث على العقاب في الشاهد منتف في حقه تعالى ، ثم قال : هذا الذي ذكرنا يرجع إلى أمر الآخرة ، أما في الدنيا فلا نزاع بين المعتزلة وغيرهم في وقوع الإيلام فيها كما هو مشاهد ، بل النزاع في إيجاب العوض باعتباره ، والحنفية لا يوجبونه على اللّه تعالى وفاقا للأشاعرة وخلافا للمعتزلة ، والحنفية كالأشاعرة يعتقدون في وقوع الإيلام في الدنيا حكمة للّه سبحانه ، فقد تدرك على وجه القطع كتكفير الخطايا ورفع الدرجات ، وقد تظن كتطهير النفس من أخلاق لا تليق بالعبدية لقبح آثارها من حسد وكبر وبطر وقسوة وغيرها ، فإنها تقتضي التعدي بإيذاء أبناء النوع فسبب على المتعدي الألم الحسي في بدنه والمعنوي بقبض الرزق وشدة الفقر ليتضرع لمولاه في رفع تلك الأخلاق ، فيتحقق بوصف العبودية لعز الربوبية ، ويكون الإيلام في الدنيا أيضا ابتلاء أحد المتغايرين بالآخر إن كان المبتلي به مكلفا فيترتب في حقه أحكام كظلم إنسان مثله أو ظلم بهيمة . قال مشايخ الحنفية خصومة البهيمة أشد من خصومة المسلم يوم القيامة كخصومة الذمي ، وقد لا تدرك الحكمة في الإيلام كما في إيلام البهائم والأطفال الذين لا تمييز لهم بالأمراض ونحوها ، فنحكم بحسنه قطعا إذ لا قبيح بالنسبة إليه تعالى وفاقا ، ونعتقد فيه قطعا حكمة للّه تعالى قصرت عقولنا عن دركها ، فيجب التسليم له فيما يفعله ، ويجب اعتقاد الحقيقة في فعله إذ هو تصرف فيما يملك ويجب ترك الاعتراض له الحكم وله الأمرلا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ[ الأنبياء : 23 ] واللّه أعلم .

الأصل السابع : ( أنه تعالى يفعل بعباده ما يشاء )

فلو أدخل جميعهم الجنة من غير طاعة سابقة منهم كان له ذلك ، ولو أورد الكل منهم النار من غير زلة منهم كان له ذلك لأنه تصرف مالك الأعيان في ملكه ، وليس عليه استحقاق إن أثاب فبفضله يثيب ، وإن عذب فلحق ملكه يعذب ، ( فلا يجب عليه رعاية الأصلح لعباده كما ذكرناه ) في الأصل الرابع ، وتقدم الكلام عليه هناك ( من أنه لا يجب عليه سبحانه شيء ) لا نقلا ولا عقلا ولا عادة ، ( بل لا يعقل في حقه الوجوب ) مطلقا ( فإنه ) تعالى : ( لا يسئل عما يفعل ) بحكم ربوبيته وملكه لكل شيء الملك الحقيقي ( وهم يسئلون ) بحكم