إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 290
الأصل السادس : أن للّه عز وجل إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق ومن غير ثواب لا حق خلافا للمعتزلة ، لأنه متصرف في ملكه ولا يتصوّر أن يعدو تصرفه ملكه ، والظلم هو عبارة عن التصرف في ملك الغير بغير إذنه وهو محال على اللّه تعالى ، فإنه لا يصادف لغيره ملكا حتى يكون تصرفه فيه ظلما ، ويدل على جواز ذلك وجوده ، فإن ذبح البهائم إيلام لها وما صب عليها من أنواع العذاب من جهة الآدميين لم يتقدمها جريمة . ولا نزاع في وقوع التكليف بالقسم الأخير لتكليف العصاة والكفار ، لكنه ليس تكليفا بما لا يطاق عندنا ، لأن العبد قادر على القصد وصرف الاختيار إليه ، والأخبار بالشيء تابع للعلم التابع للمعموم في الماهية . وأما القسمان الأولان : فجمهورهم على عدم وقوع التكليف بهما والآيات ناطقة به ويجوز عند بعضهم ، وقال بعضهم : بجواز التكليف بالقسم الثاني دون الأول ، وبعضهم بوقوعه بما يرجع إلى القسم الأول كما ذكره الآمدي وغيره فلا إجماع على عدم التكليف به ، كما قيل : ولا ينحصر الجواز عندهم على الثاني ، بل صرح البيضاوي في مرصاد الإفهام بأنّه إنما النزاع في الممتنع لذاته وليس منسوبا إلا الأشعري لقوله بعدم تأثير العبد ، واللّه أعلم . [ الأصل السادس : أن للّه عز وجل إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق ومن غير ثواب لاحق ] ( الأصل السادس : أن للّه عز وجل إيلام الخلق ) بأنواع الآلام ( وتعذيبهم من غير جرم ) منهم ( سابق ) على الإيلام ( ومن غير ثواب ) لا حق له في الدنيا ولا في الآخرة ، ومعنى كون ذلك له انه جائز عقلا لا يقبح منه تعالى ( خلافا للمعتزلة ) حيث لم يجوزوا ذلك إلا بعوض لا حق أو جرم سابق قالوا : وإلا لكان ظلما غير لائق بالحكمة وهو محال في حقه تعالى فلا يكون مقدورا له ، ولذلك أوجبوا على اللّه تعالى أن يقتص لبعض الحيوانات من بعض . وقد أشار المصنف إلى الجواب بقوله : ( لأنه ) أي الرب تعالى ( متصرف في ملكه ) بكسر الميم أي مطلقا ( ولا يتصور أن يعدو تصرفه ملكه ) فليس لأحد من خلقه عليه حجر ، لأن الخلق ملكه وقولهم وإلا لكان ظلما . فالجواب : أن الملازمة ممنوعة ، وإليه أشار المصنف بقوله : ( والظلم هو عبارة عن التصرف في ملك الغير ) أو في غير الملك ، ( وهو محال على اللّه تعالى فإنه لا يصادف لغيره ملكا ) ولا يخرج عن ملكه شيء ( حتى يكون تصرفه فيه ظلما ) ومن معاني الظلم أيضا مجاوزة الحد ، ووضع الشيء بغير محله بنقص أو زيادة ، أو عدول عن زمنه ، ومجاوزة الحق الذي يجري مجرى نقطة الدائرة ، وكل ذلك محال على اللّه تعالى . ( وإذا بطل ) استدلالهم قلنا : ( يدل على ) ما قلنا من ( جواز ذلك ) الإيلام من غير عوض ولا جرم ( وجوده ) أي وقوعه ، وذلك الواقع ما يشاهد من أنواع البلاء بالحيوان من الذبح والعقر والحراثة وجر الأثقال وتحميلها إياه ، وإليه أشار المصنف بقوله : ( فإن ذبح البهائم ) وهي المأكولة التي لم تتوحش ، وعقر الصيد وما في معناه ( إيلام لها وما صب عليها من أنواع العذاب من جهة الآدميين ) من حمل الأثقال عليها واتعابها بجرها و ( لم يتقدمها جريمة ) تقتضي ذلك .