تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
فإن قيل : إن اللّه تعالى يحشرها ويجازيها على قدر ما قاسته من الآلام ، ويجب ذلك على اللّه سبحانه ؟ فنقول : من زعم أنه يجب على اللّه إحياء كل نملة وطئت وكل بقة عركت حتى يثيبها على آلامها فقد خرج عن الشرع والعقل ، إذ يقال وصف الثواب والحشر بكونه واجبا عليه إن كان المراد به أنه يتضرر بتركه فهو محال ، وإن أريد به غيره فقد سبق أنه غير مفهوم إذا خرج عن المعاني المذكورة للواجب .
شرح
( فإن قيل ) : من طرف المعتزلة ( أن اللّه تعالى يحشرها ) يوم القيامة ( ويجازيها على قدر ما قاسته من الآلام ) أما في الموقف كما قال بعضهم ، أو في الجنة بأن تدخل الجنة في صورة حسنة بحيث يلتذ برؤيتها على تلك الصورة أهل الجنة فتنال نعيم الجنة في مقابلة ما لها من الآلام ، أو أنها تكون في جنة تخصها أي تنال نعيمها على حسب مذاهبهم المختلفة في ذلك قالوا ( ويجب ذلك على اللّه سبحانه ) وتعالى ؟ ( فنقول ) في الجواب ذلك الذي ذكرتم من جزائها بتفصيله لا يوجبه العقل ولا شيئا منه وإن جوزه ولم يرد به سمع يصلح مستندا للجزم بوجوب وقوعه في الآخرة فلا يجوز الجزم به ، و ( من زعم أنه يجب على اللّه ) تعالى ( إحياء كل نملة وطئت ) تحت الأرجل ، ( وكل بقة ) أي بعوضة ( عركت ) بالأيادي وفي معناها البرغوث والناموس ونحوهما كالقمل وغيره ( حتى يثبتها على آلامها ) ويجازيها ( فقد خرج عن الشرع والعقل إذ يقال : وصف الثواب والحشر لكونه واجبا عليه ) ، كما زعموا ( إن كان المراد به أنه يتضرر بتركه فهو محال ) وهذا هو الوجوب العقلي ، ( وإن أريد به غيره فقد سبق ) قريبا ( أنه غير مفهوم فإذا خرج عن المعاني المذكورة للواجب ) . وفي محجة الحق لأبي الخير القزويني : وجوّزوا إيلام البريء من اللّه تعالى كالبهائم والأطفال من غير عوض خلافا للمعتزلة ، فإنهم قالوا : لا يجوز إيلام البريء من اللّه تعالى كالبهائم والأطفال من غير تعويض في دار الآخرة أو لاعتبار غيره ، وهذا لا يصح إن إيلام البريء غير مستحيل ولا يفضي إلى استحالة فيكون جائزا واللّه تعالى قادر على التفضل بمثل العوض فأي حاجة إلى سبق إيلام ، وهذا كمن أراد أن يعطي إنسانا شيئا فيؤد به ثم يعطيه فهذا لا يجوز عندهم اه . وفي التذكرة الشرقية لابن القشيري : ولو قبح منه إيلام البريء من غير تعويض وتعويض لأسنى المنازل لقبح أن يبيح ذبح الحيوانات وتسخيرها وإن لا يؤلم الحيوانات ويميتها ، ومن صار إلى أن البهائم والحشرات تستحق على اللّه تعالى غدا جنانا ونعيما فقد أصيب في عقله اه . وأما ما رواه أحمد بإسناد صحيح : « يقتص للخلق بعضهم من بعض حتى للجماء من القرناء وحتى للذرة من الذرة » وهو في صحيح مسلم بلفظ « لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء » فالمراد بالإقتصاص المذكور أن يدخل اللّه تعالى عليها من الآلام في الموقف بقدر ما يعلمه قصاصا أو يقتص حقيقة ، وذلك لا يمنعه العقل عندنا ، لكن لا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 291 | مرتضى الزبيدي