تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
. . . . . . . . . .
شرح
أن صبيا مات إلخ وفيه أن قوله : فيقول اللّه عز وجل لأنه بلغ واجتهد هو جواب الجبائي ، وعند هذا ينادي الكفار إلخ هو رد الأشعري على الجبائي ؛ وفي آخره فانقطع الجبائي وتاب الأشعري عن الاعتزال وأخذ في نقض قواعد المعتزلة ، وهو أظهر مما في المواقف وأوّل شرح العقائد انه ناظره في ثلاثة أخوة مات أحدهم مطيعا والآخر عاصيا والثالث صغيرا ، وألزمه في قول العاصي يا رب : لم لم تمتني صغيرا لئلا أعصي لك أمرا فلا أدخل النار لما يتخيل أن لهم رفع الإلزام به بأن إماتته للصغير في صغره للعلم بأنه لو بلغ لكفر وأضل غيره فأماته لمصلحة الغير سيما إذا كان الغير كثير الظهور رجحانه وليس في ابقاء العاصي ذلك ، كما تصدى أبو الحسن لرفع الإلزام به عن شيخه الجبائي بعد أربعة أدوار أو أكثر ، لكنه تحكم كما في التفسير الكبير ويلزمهم منع النفع عمن لا جناية له لإصلاح غيره وهو ظلم عندهم ، فإن مذهبهم وجوب الأصلح بالنسبة إلى الشخص لا بالنسبة إلى الكل من حيث الكل ، كما ذهب إليه الفلاسفة في نظام العالم كما في شرح العضدية وأنه لو منعه لذلك ، فكيف لم يمت قبل البلوغ فرعون وزرادشت وغيرهما من المضلين لإصلاح كثير من العالمين كما في التبصرة وشرح المقاصد ، فلا وجه لما قيل أن للجبائي أن يقول الأصلح واجب على اللّه إذا لم يوجب تركه حفظ أصلح آخر موجبه بالنسبة إلى شخص آخر ، فلعله كان إماتة الأخ الكافر موجبه لكفر أبويه وأخيه لكمال الجزع على موته ، فكان الأصلح لهم حياته ، فلما حفظ هذا الأصلح وجب فوت الأصلح له لعله كان في نسله صلحاء كان الأصلح لهم ايجادهم فلرعاية الكثيرين فات الأصلح ، وإذا تأملت ما ذكرت ظهر لك أن المصنف أعرض عن هذه المناظرة وقلبها في صورة أخرى مفروضة لانطباق مقصوده عليها ، ويقرب من هذا سياق ابن التلمساني في شرح اللمع حيث قال : وقد ألزمهم الأصحاب فيمن أماته اللّه صغيرا وفيه حرمانه ما يترتب على التكليف من الثواب الجزيل ، فإن قالوا : علم اللّه منه انه لو بلغ وكلفه لما آمن . قلنا : فيلزمكم أن يميت اللّه تعالى سائر الكفار دون البلوغ لعلمه أنهم لا يؤمنون فهو أصلح لهم من ابقائهم وتخليدهم في النار اه . وسياق النسفي في الاعتماد ، ثم يقال لهم صبي عاش حتى بلغ وأسلم وختم بالإسلام ، وصبي مات في صغره ، وصبي بلغ وكفر وارتد بعد الإسلام ، فلم أبقى الصبي الأوّل ؟ فإن قالوا لأنه أصلح له فإنه ينال بإسلامه وما أتى به من الطاعات الأجر العظيم . قيل : لم لم يبق الثاني ؟ فإن قالوا : لأن ذلك أصلح له لأنه تعالى علم أنه لو بلغ لكفر واستحق الخلود في النار فكانت إماتته صغيرا أصلح له . قيل لهم : لم لم يمت الثالث كما أمات الثاني ؟ ولا انفصال لهم عن هذه البتة فتأمل . فصل ومن أجوبة الماتريدية في الردّ عليهم من النقل والعقل . أما الأولى فقوله تعالى :وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً[ يونس : 99 ] ، ولو لم يكن في مقدوره ما لو فعل بهم لآمنوا لم تكن لهذه الآية فائدة ادعاء قدرة ومشيئة ليستا له كفعل المتكلف الذي يتحلى بما ليس
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 296 | مرتضى الزبيدي