. . . . . . . . . .
شرح
نوجبه أي لا نقول بوجوب وقوعه منه تعالى كما يقوله المعتزلة ، وهذا أولى من القول بأنه خبر آحاد غير مفيد للقطع ، والقطع هو المعتبر في العقائد فتأمل .
وفي شرح اللمع لابن التلمساني : وما يعظم وقعه على القائلين بالتحسين والتقبيح وموجبي الأصلح والصالح على اللّه تعالى إيلامه للبهائم والأطفال ، فكيف حسن منه تعالى ذلك مع حكمهم بقبحه ؛ فصارت البكرية وهم أصحاب أبي بكر بن عبد الواحد إلى أنها لا تتألم وهو جحد للضرورة ، وصارت الثنوية أن ذلك لا يصدر إلا من فاعل الشر ، وصار جماعة من غلاة الروافض وغيرهم إلى التزام التناسخ وقالوا : إنما حسن ذلك من حيث استحقته بجرائم سابقة اقترفتها في غير هذه القوالب فنقلت إلى هذه القوالب عقوبة لها ومن أصولهم أنها مدركة عالمة بما هي فيه من العقوبة على الزلات ، وأما جمهور المعتزلة فحكموا بأنه إنما يحسن من اللّه تعالى إما بطريق العتاب بجريمة سابقة ، أو بالتزام التعويض فقيل لهم : إذا كان الباري قادرا على إيصال مثل ذلك العوض بدون الإيلام فكيف يحسن منه الإيلام ؟ فقالوا : لأن ما يكون عوضا يزيد على ما يقع به النقل ابتداء فهو أصلح لهم قالوا : ثم العوض المستحق بالطاعة يزيد على المستحق ابا لإيلام ، وجميع ذلك يقتضي نسبة اللّه تعالى إلى العجز عن أن يوجد مثل العوض ابتداء .
فصل
وحاصل ما في المسايرة وشرحه : أن الحنفية لما استحالوا عليه تعالى تكليف ما لا يطاق فهم لتعذيب المحسن الذي استغرق عمره في طاعة مولاه أشد منعا لتعذيب المحسن المذكور ، وهم في ذلك مخالفون للأشاعرة القائلين بأن له تعالى تعذيب الطائع وإثابة العاصي ولا يكون ظلما كما مرّ ، ثم منعهم ذلك ليس بمعنى أنه يجب عليه تعالى تركه كما تقول المعتزلة ، بل بمعنى أنه يتعالى عن ذلك لأنه غير لائق بحكمته فهو من باب التنزيهات هذا في التجويز عليه تعالى عقلا وعدمه ، أما الوقوع فمقطوع بعدمه غير أنه عند الأشاعرة للوعد بخلافه ، وعند الحنفية والمعتزلة لذلك الوعد والقبح خلافه ، ثم نقل عن أبي البركات النسفي صاحب العمدة ، أن تخليد المؤمنين في النار والكافرين في الجنة يجوز عقلا عند الأشاعرة إلا أن السمع ورد بخلافه فيمتنع وقوعه لدليل السمع ، وعندنا معشر الحنفية لا يجوز .
قال ابن الهمام : وقول الأشعرية أحب إليّ ، ولكن إذا أريد بالمؤمنين الفسقة لجواز أن يعذب الفاسق على الذنب الذي أصر عليه إلى أن مات أبدا كالكفر على ما ذهب إليه المعتزلة من تأييد عذابه ، إذ لا مانع من ذلك عقلا لولا النصوص الواردة بتفضيله تعالى بخلافه ، إذ لا مانع من ذلك عقلا ، ولأن تخليد الكافرين في الجنة لو قدر وقوعه لكان من باب العفو وهو جائز في نظر العقل ، إلا أن صاحب العمدة لما اختار أن العفو عن الكفر لا يجوز عقلا وفاقا للمعتزلة وخلافا للأشعري في قوله : إن امتناعه بدليل السمع لا بالعقل كان كامتناع تخليد الكافر في الجنة لازم