تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
. . . . . . . . . .
شرح
فصل قد أورد المصنف في إثبات هذا الأصل دليلين عقليين : الأول : استحالة سؤال الدفع ، والثاني بيان حال أبي جهل ، وقد تقدم الجواب عنهما . وقرر ابن الهمام في نقضهما على طبق ما ذكرنا فلنورد سياقه لما فيه من الإشارات ما لم يتقدم ذكرها تكثيرا للفائدة قال في نقض الدليل الأول : لا يخفى أنه ليس دالا في محل النزاع وهو التكليف إذ عند القائلين بامتناعه يجوز أن يحمله جبلا فيموت إظهارا لعجزه ، إما عند المعتزلة فبناء على جواز أنواع الإيلام للعبد بقصد العوض وجوبا وأما عند الحنفية فتفضلا بحكم وعده الصادق بالجزاء على المصاب ، ولا يجوز أن يحمل جبلا بحيث إذا لم يفعل يعاقب قال تعالى :لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها[ البقرة : 286 ] وعن هذا النص ذهب المحققون ممن جوزه عقلا من الأشاعرة إلى امتناعه سمعا ، وإن جاز عقلا وإيراد الحنفية لهذا النص لإبطال الدليل الثاني فإنه لو صح بجميع مقدماته لزم وقوعه وهو خلاف صريح النصر لا على الإستدلال به على عدم جوازه منه تعالى ، لأن ذلك بحث عقلي مبني على أن العقل يستقل بإدراك صفة الكمال وضدها فهذا نقض إجمالي إذ لم يرد على مقدمة مبينة ويوضح ذلك أن المستحيل ثلاثة أنواع : مستحيل لذاته وهو المحال عقلا كجمع النقيضين والضدين ، ومستحيل عادة لا عقلا كالطيران من الإنسان والتكليف بحمل الجبل ، ومستحيل لتعلق العلم الأزلي بعدم وقوعه أو اخبار اللّه تعالى بعدم وقوعه كإيمان من علم اللّه تعالى أنه لا يؤمن أو من أخبر اللّه تعالى بأنه لا يؤمن ، والمراد بما لا يطاق هو المستحيل لذاته ، أو في العادة أما المستحيل باعتبار سبق العلم الأزلي بعدم وقوعه لعدم امتثاله مختارا فهو مما يدخل تحت قدرة العبد عادة بلا خلاف في وقوعه كتكليف أبي جهل واضرابه بالإيمان مع العلم بعدم إيمانه والاخبار به لأنه لا أثر للعلم في سلب قدرة المكلف ولا في جبره على المخالفة اه . استطراد : خلف عبارة ابن الهمام قال الملّا علي في شرح الفقه الأكبر : مراتب ما ليس في وسع البشر إتيانه ثلاث : أقصاها أن يمتنع بنفس مفهومه كجمع الضدين وقلب الحقائق وإعدام القديم ، وهذا لا يدخل تحت القدرة القديمة فضلا عن الحادثة ، وأوسطها أن لا تتعلق بها القدرة الحادثة أصلا ، كخلق الأجسام أو عادة كحمل الجبل والصعود إلى السماء ، وأدناها أن يمتنع لتعلق علمه سبحانه أو إرادته بعدم وقوعه وفي جواز التكليف بالمرتبة الأولى تردد ولا نزاع في عدم الوقوع ، وجواز الثانية مختلف فيه ولا خلاف في عدم الوقوع ، ووقوع الثالثة متفق عليه فضلا عن جوازها اه . وزاده وضوحا صاحب إشارات المرام فقال : وتحرير محل النزاع أن ما لا يطاق عندهم إما أن يكون ممتنعا لذاته ، أو لغيره بأن يكون ممكنا لنفسه لكن لا يجوز وقوعه عن المكلف لانتفاء شرطه ، أو لا يجوز وقوعه عنه لوجود مانع عنه من علم اللّه تعالى أنه لا يقع ، أو إخباره بذلك