تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
. . . . . . . . . .
شرح
وقال الملا علي في شرح الفقه الأكبر : الاستطاعة صفة يخلقها اللّه تعالى عند اكتساب الفعل بعد سلامة الأسباب والآلات ، وقد يراد به سلامة الأسباب والآلات والجوارح ، وصحة التكليف تعتمد هذه الاستطاعة التي هي سلامة الأسباب والآلات لا بمعنى الأول ، مع أن القدرة صالحة للضدين عند أبي حنيفة ، حتى أن القدرة المصروفة إلى الكفر هي بعينها القدرة التي تصرف إلى الإيمان لا اختلاف إلا في التعلق وهو لا يوجب الاختلاف في نفس القدرة ، فالكافر قادر على الإيمان المكلف به إلا أنه صرف قدرته إلى الكفر وضيع باختياره صرفها إلى الإيمان فاستحق الذم والعقاب من هذا الباب ، وأما ما يمتنع بالغير بناء على أن اللّه تعالى علم خلافه أو أراد خلافه كإيمان الكافر وطاعة العاصي فلا نزاع في وقوع التكليف به لكونه مقدور المكلف بالنظر إلى نفسه ، فليس التكليف به تكليفا بما ليس في وسع البشر نظرا إلى ذاته ، ومن قال : إنه تكليف بما ليس في وسع البشر فقد نظر إلى ما عرض له من تعلق علمه تعالى وإرادته بخلافه . وبالجملة ؛ لو لم يكلف العبد به لم يكن تارك المأمور عاصيا ، فلذا عد مثل إيمان الكافر وطاعة الفاسق من قبيل المحال بناء على تعلق علمه وإرادته بخلافه ، وهو عندنا من قبيل ما يطاق بناء على صحة تعلق القدرة الحادثة في نفسه وإلا لم يوجد عقيبه وهذا نزاع لفظي عند أرباب التحقيق ، واللّه ولي التوفيق اه . تنبيه : وعلى القول بتجويز تكليف ما لا يطاق كما هو مذهب المصنف يسقط إيراد من أورد عليهم من المعتزلة أنه إذا كان لا يقع في الوجود إلا مراده ، وقد أمر العبد بما لم يرد وقوعه فقد كلفه بما لا يقدر على فعله وتكليفه بذلك ، ثم عقابه على عدم فعله في التحقيق ليس إلا إرادة تعذيبه ابتداء بلا مخالفة ، وهذا أيضا في نظر العقل غير لائق فيجب تنزيه اللّه تعالى عن ذلك ، ومحصل الجواب : أن هذا غير وارد من أصله لأنهم قد يجوزون عقلا ما استبعدتموه . قال ابن الهمام : وعلى القول بأنه وإن جاز عقلا فهو غير واقع وهو الراجح من القولين لهم ، فالتحقيق أن عقابه إنما هو على مخالفته مختارا غير مجبور ، فإن تعلق الإرادة بمعصيته لم يوجبها منه ولم يسلب اختياره فيها ولم يجبره على فعلها ، بل لا أثر للإرادة في شيء منه ، فكما أنه كلف من علم منه عدم الامتثال فوقع منه ما علمه كسائر الكفرة فلم يبطل ذلك معنى التكليف ولم ننسب إليه ظلما بذلك اتفاقا لعدم تأثير العلم في إيجاد ذلك الكفر المعلوم ، وفي سلب اختيار المكلف في إتيانه بذلك وإن كان لا يوجد إلا معلومه ، فكذا التكليف بما تعلقت به الإرادة بخلافه إذا كانت الإرادة لا أثر لها في الإيجاد كالعلم والتأثير في الإيجاد خاصية القدرة دون العلم والإرادة إلا أنها إنما تؤثر على وفق الإرادة ، والعلم الإلهي متعلق بأن سيكون كذلك ثم يوجد ما يوجد باختيار المكلف على طبق تلك الإرادة متأثرا عن قدرة اللّه تعالى ، واللّه أعلم .