تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
. . . . . . . . . .
شرح
أن يؤمن بأن لا يؤمن وهذا تكليف بالجمع بين الضدين ، وكذا أخبر أنه سيصلى النار وعلم به ، ولو آمن لما كان ممن يصلى النار وكان الأمر بالإيمان أمرا بالجهل والكذب وذلك محال ، فكان ذلك أمرا بما يستلزم المحال . والجواب : إن كان الأمر بالإيقان وبتصديق اللّه تعالى في خبره أنه لا يؤمن أمرا بالجمع بين الضدين فلا نسلم بأنه مأمور بذلك وأنه عين النزاع ، ثم نقول : خلاف معلوم اللّه تعالى وخلاف خبره وإن كان مستحيل الوقوع بالنسبة إلى العلم والخبر كالجمع بين الضدين ، ولكنه ممكن مقدور في نفسه ولا منافاة بين القولين ، لأن معنى قولنا أنه ممكن مقدور في نفسه أن القدرة صالحة له ولا تتقاصر عنه القدرة حسب قصور القدرة عن الجمع بين الضدين ، ثم ما علم اللّه تعالى وأخبر أنه لا يقع لا يقع قطعا كاجتماع الضدين ، غير أن اجتماع الضدين لم يقع لاستحالته في نفسه لا لتعلق العلم والخبر بعدم وقوعه وخلاف ما علم ، أو أخبر لم يقع أيضا لا لاستحالته في نفسه بل لتعلق العلم والخبر بعدم وقوعه ، ثم إنه تعالى لا يعاقب أحدا على ما علم منه دون وقوعه منه فعلا وكسبا . وقد وقع في علم اللّه تعالى أن أبا لهب مستوجب النار بكفره ، فكان التكليف في حقه فتنة والتزاما بالحجة وفي حق المطيعين رأفة ورحمة ونعمة اه . وفي أمالي الإمام أبي حنيفة : واللّه لا يعاقبهم بما لم يعلموا ولا يسألهم عما لم يعلموا ولا رضي لهم بالخوض فيما ليس لهم به علم واللّه يعلم بما فيه . وفي الفقه الأكبر : يعلم من يكفر في حال كفره كافرا وإذا أخر بعد ذلك علمه علمه مؤمنا في حال إيمانه وأمنه اه . وفيه إشارة إلى أن التكليف لا يتعلق إلا بما هو مقدور الوقوع في زمان وجوده وتحصيله بمعنى ترتب العقاب على تركه ، فإن العقاب لا يليق في الحكمة إلا على ما يتمكن العبد من العلم به وتحصيله والقدرة عليه فلا يكلف العباد ما لا يطيقون ولا يطلب دفعه على الحقيقة ، وسؤال دفعه بمعنى طلب الإعفاء عما يشق أو عن العقوبة ، وإليه أشار بقوله : ولا رضي لهم بالخوض فيما ليس لهم به علم ، وإلى منع وقوع التكليف بمعنى ترتب العقاب على الترك بما لا يمكن ولا يعلم إيقاعه كجمع النقيضين فلا تكليف به في تكليف أبي لهب بالإيمان ، لأنه قبل الاخبار بعدم إيمانه مكلف بالإيمان الإجمالي فلا يلزم جمع النقيضين أصلا ، وكذا بعد الاخبار بعدم إيمانه إذ غاية ما نزل في حقهسَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍوهو لا ينفي إيمانه لجواز أن يحمله على تعذيب المؤمن لنفسه ، ولو سلم فهو كاخباره نوحا بقولهلَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ[ هود : 36 ] وحينما علم ذلك وحقت كلمة العذاب امتنع التكليف لعدم الفائدة كما في مرصاد الإفهام للبيضاوي ، واختاره العضد في شرح المختصر وإلى أن علم اللّه بعدم الإيمان لا يمنع صرف قدرة العبد واختياره إليه ، ويتعلق الأمر به بمعنى صرف القدرة والاختيار إليه لإمكانه في نفسه وصحة تعلق قدرته بالقصد إليه كما في التوضيح ، فلا يستلزم الأمر بتحصيله مع العلم بعدمه الأمر بجمع الوجود والعدم .