. . . . . . . . . .
شرح
ثم قال : مسألة تكليف ما لا يطاق وافقهم من أصحابنا الشيخ أبو حامد الأسفرايني شيخ العراقيين ، وحجة الإسلام الغزالي ، وابن دقيق العيد اه .
قلت : وأبو القاسم القشيري كما رأيته في رسالته اعتقاد السنة من تأليفه ، وذكر ابن السبكي حجة الإسلام الغزالي من الموافقين محل تأمل ، فإنك ترى أنه على ظاهر كلام الأشاعرة ولم يخالفهم ، ولعله في كتاب آخر غير هذه العقيدة ولنا من النقل قوله تعالى :لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها[ البقرة : 286 ] أي طاقتها ، ووجه الدلالة أنه لو جاز التكليف به لجاز كذب هذا الخبر وهو محال فالملزوم مثله كما في التلويح ، ومن العقل أن تكليف العاجز بالفعل سفه في الشاهد كتكليف الأعمى النظر فكذا في الغائب ، ولأن فائدة التكليف الأداء كما هو مذهب المعتزلة أو الابتلاء كما هو مذهبنا ، وهذا لا يتصور فيما لا يطاق . أما الأداء فظاهر ، وأما الابتلاء فكأنه إذا كان بحال لا يتصور وجوده لا يتحقق معنى الابتلاء وهو إنما يتحقق في أمر لو أتى به يثاب عليه ولو امتنع يعاقب عليه ، وذا فيما يتصور وجوده لا فيما يمتنع وجوده وقوله تعالى :رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ[ البقرة : 286 ] استعاذة عن تحميل ما لا يطاق نحو أن يلقى عليه جدارا أو جبلا لا يطيقه تعذيبا فيموت ، ولا يجوز أن يكلفه تحمل جبل بحيث لو فعل يثاب عليه ولو امتنع يعاقب عليه لأنه يكون سفها . وقوله تعالى :أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ[ البقرة : 31 ] مع عدم عملهم بذلك ليس بتكليف بالأنباء بل هو خطاب تعجيز ، وهو عبارة عن توجيه صيغة الأمر بما يظهر عجز المخاطب وهو ليس بأمر حقيقة عند المحققين ، وهذا كأمر اللّه تعالى المصورين بإحياء الصور يوم القيامة ، فإنه ليس بتكليف بل هو نوع تعذيب لهم ، وهذا لأنه يكون في دار الآخرة وهي ليست بدار تكليف بل هي دار جزاء والكلام في تكليف ما لا يطاق . وقولهم : كلف أبا جهل بالإيمان وعلم أنه لا يؤمن وخلاف ما هو معلوم اللّه تعالى محال ، فكان تكليف ما لا يطاق إذ لو قدر على الإيمان لقدر على تغيير علمه وهو محال .
قلنا : المحال ما لا يمكن تقدير وجوده في العقل والجائز ما يمكن تقدير وجوده في العقل ، وعلم اللّه تعالى بعدم الشيء الممكن في ذاته لا يجعله ممتنعا لذاته ولا يمنعه عن أن يكون مقدور قادر ، لأنه إنما يقدر وجود الشيء وعدمه بالنظر إلى ذاته لا بالنظر إلى علمه ألا ترى أنا نقول العالم جائز الوجود مع علمنا بأن اللّه تعالى علم وجوده ، لأنه بالنظر إلى ذاته جائز الوجود والعدم ، ولو جاز أن يصير الشيء واجب الوجود لعلمه تعالى بوجوده أو ممتنع الوجود لعلمه تعالى أنه لا يوجد لم يكن لما هو جائز الوجود تحقق وبطل تقسيم العقلاء بالواجب والجائز والممتنع ، وقد قالوا : لا نزاع في الممتنع لغيره ، وإنما النزاع في الممتنع لذاته كذا في شرح العمدة للنسفي .
وقال القونوي في شرح عقيدة الطحاوي : وقد نقل عن أبي الحسن الأشعري أنه جائز عقلا ، ثم تردد أصحابه أنه هل ورد الشرع به ؟ فمن قال بوروده احتج بأمر أبي لهب بالإيمان فإنه تعالى أخبر أنه لا يؤمن وأنه سيصلى النار ثم كان مأمورا بالإيمان بجميع ما أخبر اللّه تعالى . ومن جملته