جهل لا يصدقه ، ثم أمره بأن يأمره بأن يصدقه في جميع أقواله ، وكان من جملة أقواله أنه لا يصدقه . فكيف يصدقه في أنه لا يصدقه وهل هذا إلا محال وجوده ؟
شرح
للترتيب الذكري لأن كون أمر أبي جهل بالتصديق بعد الاخبار بعدم إيمانه لا يظهر له مستند ، فضلا عن كونه متراخيا عن الاخبار . وفي كلام الآمدي وغيره : أبو لهب بدل أبي جهل ، ( وكان من جملة أقواله أنه لا يصدقه فكيف يصدقه في أنه لا يصدقه ، وهل هذا إلا محال وجوده ) ؟
وفي محجة الحق لأبي الخير القزويني : فإن اللّه تعالى كلف أبا لهب الإيمان بالقرآن ، ومن جملة ما أنزل في القرآن أنه لا يؤمن في قوله تعالى :سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ[ المسد : 3 ] . فكأنه كلفه الإيمان بأنه لا يؤمن . وأيضا فإن فائدة التكليف بيان أمارة الثواب والعقاب ولا استحالة في جعل امتناع ما لا يطاق أمارة العقاب اه .
وأيضا ؛ فتحصيل الإيمان مع العلم بعدمه أمر بجمع الوجود والعدم لاستحالة وجود الايقان مع العلم ضرورة أن العلم يقتضي المطابقة كما في المطالب العلية .
وقال ابن التلمساني : وأقرب ما يدل على جوازه أن اللّه تعالى كلف الكفار بالإيمان بالإجماع ، وقد علم من بعضهم عدم الإيمان وأخبر بذلك ومع ذلك فيمتنع وقوع الإيمان منهم إذ لو وقع للزم انقلاب العلم جهلا ، ولزم الخلف واجتماع الضدين ، ولا فرق بين المستحيل لنفسه والمستحيل لغيره اه .
وفي النوادر للإمام أبي الحسن الأشعري تكليف ما لا يطاق جائز ، وإن اللّه لو أمر عبده بالجمع بين الضدين لم يكن سفها ولا مستحيلا . وفي الإرشاد لإمام الحرمين فإن قيل : ما جوزتموه عقلا من تكليف المحال هل اتفق وقوعه شرعا ؟ قلنا : عند شيخنا ذلك واقع شرعا ، فإن الرب تعالى أمر أبا لهب بأن يصدق ويؤمن به في جميع ما يخبر عنه ، وقد أخبر عنه بأنه لا يؤمن فقد أمره أن يصدقه بأن لا يصدقه ، وذلك جميع بين النقيضين ، ومثله في المطالب العلية للرازي فهذه أدلة الأشاعرة والمسألة مختلف فيها ، فالذي رواه الحافظ أبو محمد الحارثي في الكشف ، والظهير المرغناني ، وحافظ الدين الكردري ، وأبو عبد اللّه الصميري كلهم في المناقب من رواية يوسف بن خالد السمتي أن الإمام أبا حنيفة رضي اللّه عنه قال : واللّه لا يكلف العباد ما لا يطيقون ولا أراد منهم ما لا يعلمون . وفي عقيدة الإمام أبي جعفر الطحاوي : ولم يكلفهم اللّه إلا ما يطيقون ولا يطيقون إلا ما كلفهم به ، فهذه النصوص صريحة في عدم جواز تكليف ما لا يطاق وعليه جمهور المعتزلة . واختاره الإمام أبو إسحاق الأسفرايني كما في التبصرة وغيرها ، وأبو حامد الأسفرايني كما في شرح السبكي لعقيدة أبي منصور ، وقد تقدم في أول الكتاب قول ابن السبكي :قالوا وليس بجائز تكليف ما * لا يستطاع فتى من الفتيان
وعليه من أصحابنا شيخ العرا * ق وحجة الإسلام ذو الإتقان