العباد في أن يخلقهم في الجنة ، فاما أن يخلقهم في دار البلايا ويعرضهم للخطايا ثم يهدفهم لخطر العقاب وهو العرض والحساب فما في ذلك غبطة عند ذوي الألباب .
الأصل الخامس : أنه يجوز على اللّه سبحانه أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه - خلافا للمعتزلة - ولو لم يجز ذلك لاستحال سؤال دفعه وقد سألوا ذلك فقالوا :
رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ
[ البقرة : 286 ] ، ولأن اللّه تعالى أخبر نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن أبا
شرح
في ضمنها ضرر أولي ، ( فأما أن يخلقهم في دار البلايا ) أي دار الدنيا مع ما في ضمنها ضرر وخوف ( ويعرضهم للخطايا ) والمعاصي ( ثم يهدفهم ) أي يجعلهم هدفا ( لخطر العقاب ) بارتكاب الخطايا ( وهو العرض ) على اللّه تعالى ( والحساب فما في ذلك غبطة ) يغتبط بها ( عند ذوي الألباب ) وفي بعض النسخ : لأولي الألباب .
قال ابن الهمام عقيب هذا الكلام : وأنت قد علمت أن معنى هذا الوجوب عندهم كونه لا بدّ من وقوعه ، وفرض عدمه فرض محال لإستلزامه المحال على زعمهم وهو اتصافه بالبخل فلا يكون بهذا الوجوب معرضا للضرر كما ألزمهم به الحجة ، لأن التعريض له إنما يلزم لو كان الإيجاب مبنيا على التخيير في فعل ذلك الأمر الواجب وتركه وليس هذا كذلك ، لأن حاصل كلامهم فيه سلب قدرته على ترك ما هو الأصلح لانتفاء قدرته من الاتصاف بما لا يليق به ، فالسبيل في دفعهم إنما منع كل واقع هو الأصلح لمن وقع له ومنع لزوم ما لا يليق به أي البخل الذي زعموه فتأمل .
وقد استدل إمام الحرمين على إبطال الإيجاب العقلي بأنه غير معقول بالنسبة إليه ، فإنه لا يعقل إلا أن يكون باذله ملزما ولا يتحقق ذلك بالنسبة إلى اللّه تعالى ، وبأن ما يوجبونه على اللّه تعالى من إثابة العبد على الطاعات والطاعات الصادرة منه شكر النعمة السابغة ، ومن أدى ما وجب عليه لم يستحق عوضا فلا تحقق لوجوبه ، وكذلك يلزمهم أيضا إذا أوجبوا على الباري تعالى أصل الخلق واكمال العقل وإزاحة العلل ، وإذا كان واجبا على اللّه ، فيكف يجب الشكر على العبد ، وسيأتي إيضاحه .