تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
العباد في أن يخلقهم في الجنة ، فاما أن يخلقهم في دار البلايا ويعرضهم للخطايا ثم يهدفهم لخطر العقاب وهو العرض والحساب فما في ذلك غبطة عند ذوي الألباب . الأصل الخامس : أنه يجوز على اللّه سبحانه أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه - خلافا للمعتزلة - ولو لم يجز ذلك لاستحال سؤال دفعه وقد سألوا ذلك فقالوا :
رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ
[ البقرة : 286 ] ، ولأن اللّه تعالى أخبر نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن أبا
شرح
في ضمنها ضرر أولي ، ( فأما أن يخلقهم في دار البلايا ) أي دار الدنيا مع ما في ضمنها ضرر وخوف ( ويعرضهم للخطايا ) والمعاصي ( ثم يهدفهم ) أي يجعلهم هدفا ( لخطر العقاب ) بارتكاب الخطايا ( وهو العرض ) على اللّه تعالى ( والحساب فما في ذلك غبطة ) يغتبط بها ( عند ذوي الألباب ) وفي بعض النسخ : لأولي الألباب . قال ابن الهمام عقيب هذا الكلام : وأنت قد علمت أن معنى هذا الوجوب عندهم كونه لا بدّ من وقوعه ، وفرض عدمه فرض محال لإستلزامه المحال على زعمهم وهو اتصافه بالبخل فلا يكون بهذا الوجوب معرضا للضرر كما ألزمهم به الحجة ، لأن التعريض له إنما يلزم لو كان الإيجاب مبنيا على التخيير في فعل ذلك الأمر الواجب وتركه وليس هذا كذلك ، لأن حاصل كلامهم فيه سلب قدرته على ترك ما هو الأصلح لانتفاء قدرته من الاتصاف بما لا يليق به ، فالسبيل في دفعهم إنما منع كل واقع هو الأصلح لمن وقع له ومنع لزوم ما لا يليق به أي البخل الذي زعموه فتأمل . وقد استدل إمام الحرمين على إبطال الإيجاب العقلي بأنه غير معقول بالنسبة إليه ، فإنه لا يعقل إلا أن يكون باذله ملزما ولا يتحقق ذلك بالنسبة إلى اللّه تعالى ، وبأن ما يوجبونه على اللّه تعالى من إثابة العبد على الطاعات والطاعات الصادرة منه شكر النعمة السابغة ، ومن أدى ما وجب عليه لم يستحق عوضا فلا تحقق لوجوبه ، وكذلك يلزمهم أيضا إذا أوجبوا على الباري تعالى أصل الخلق واكمال العقل وإزاحة العلل ، وإذا كان واجبا على اللّه ، فيكف يجب الشكر على العبد ، وسيأتي إيضاحه .

[ الأصل الخامس : أنه يجوز على اللّه سبحانه أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه ]

( الأصل الخامس ) : ( أن يجوز على اللّه ) سبحانه عقلا ( أن يكلف الخلق بما لا يطيقونه ) ، والدليل عليه أن الخلق خلقه والملك ملكه وللفاعل المالك أن يتحكم في ملكه لحق مشيئته فيما ليس عليه حجر ( خلافا للمعتزلة ) كلهم ولبعض الأشاعرة والماتريدية كلهم ، كما سيأتي بيان ذلك . ثم استدل المصنف عليه فقال : ( ولو لم يجز ذلك ) أي تكليف العبد بما لا يطيقه ( لاستحال سؤال دفعه ) قياسا على سؤال الرؤية من موسى عليه السّلام ، ( وقد سألوا ذلك فقالوا :رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ) [ البقرة : 286 ] وإنما يستعاذ عما وقع في الجملة ، ( و ) دليل آخر على ذلك نقول : ( لأن اللّه تعالى أخبر نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن أبا جهل ) عمرو بن هشام القرشي لا يصدقه ، ( ثم أمره بأن يصدقه في جميع أقواله ) ، و « ثم » هنا