تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
العباد وهو محال ، إذ هو الموجب والآمر والناهي وكيف يتهدف لإيجاب أو يتعرض للزوم وخطاب ؟ والمراد بالواجب أحد أمرين : أما الفعل الذي في تركه ضرر إما آجل ، كما يقال : يجب على العبد أن يطيع اللّه حتى لا يعذبه في الآخرة بالنار ، أو ضرر عاجل كما يقال : يجب على العطشان أن يشرب حتى لا يموت ، وإما أن يراد به الذي
شرح
أنه يجب على اللّه تعالى رعاية الأصلح لعباده في دينهم ودنياهم ، فلا يجوز في حكمه تبقية وجه من وجوه الصلاح في العاجل والآجل إلا ويفعله ، فقالوا : بناء على هذا الأصل ان ابتداء الخلق واجب ومن علم من خلقه أنه يكلفه فيجب عليه كمال عقله وإزاحة علله وخلق الالطاف له ، ثم قالوا : إن كل ما ينال العبد من الأمور المضرة والآلام فهو الأصلح له ، وإنما ارتكب معصية فهو الذي اختار لنفسه الفساد ويجب على اللّه معاقبته إن لم يتب ولم تكن من الصغائر قالوا وهي الأصلح في حق الفاسق ، وقد ورد الوعيد به وعدم وقوعه خلف وهؤلاء أخذوا مذاهبهم من الفلاسفة وهو أن اللّه تعالى جواد وان الواقع في الوجود هو أقصى الامكان ولو لم يقع ذلك لم يكن جوادا ، وقد التزمت المعتزلة أن اللّه تعالى لا يكون له اختيار في ترك فعل البتة لوجوب ابتداء الخلق ، ووجوب اختصاصه بالوقت المعين ، ووجوب فعل الأصلح ، ووجوب الثواب والعقاب . ولما استبعد البصريون منهم ذلك قالوا : لا يجب أصل الخلق ، لكن متى أراد اللّه تعالى تكليف عبد فيجب عليه إكمال عقله وإزاحة علله وما يترتب على فعله من الثواب والعقاب . ونقل إمام الحرمين في الإرشاد إجماع الفئتين البغدادية والبصرية منهم على أن الرب سبحانه إذا خلق عبده وأكمل عقله لا يتركه هملا بل يجب عليه أن يقدره ويمكنه من نيل المراشد ، ثم قال إمام الحرمين : ونقل أصحاب المقالات عن هؤلاء مطلقا يعني المعتزلة أنه يجب على اللّه تعالى فعل الأصلح في الدين ، وإنما الاختلاف في فعل الأصلح في الدنيا ، وهذا النقل فيه تجوّز وظاهره يوهم زللا فقد يتوهم المتوهم أنه يجب عند البصريين الابتداء بإكمال العقل لأجل التكليف وليس ذلك مذهبا لدى مذهبهم ، فالذي ينتحله البصريون أنه تعالى متفضل بإكمال العقل ابتداء ولا يجب عليه إثبات أسباب التكليف ، وإذا تأملت ذلك ظهر لك أن في سياق المصنف نوع مخالفة إلا أن يريد من المعتزلة فرقة خاصة . ثم أشار المصنف بالرد عليهم بأنه لو وجب شيء فأما بالإيجاب الشرعي ( وهو محال إذ هو الموجب ) بكسر الجيم ( و ) هو ( الآمر الناهي وكيف يتهدف لايجاب أو يتعرض للزوم وخطاب ) فإن هذا شأن المكلفين أي : لو وجب شيء لاقتضى الحال موجبا ، ورتبة الموجب فوق رتبة الموجب عليه ولا يخفى بطلانه ، ( و ) يقال لهم : ( المراد بالواجب أحد أمرين : اما بالفعل الذي في تركه ضرر إما آجل ) أي في الآخرة عرف بالشرع ( كما يقال : يجب على العبد أن يطيع اللّه ) سبحانه ، ( أو ) ضرر ( عاجل ) أي في الدنيا ، وإن عرف بالفعل ( كما يقال : يجب على العطشان أن يشرب حتى لا يموت ) ، ومعنى الوجوب هنا ترجح الفعل على الترك لما يتعلق من الضرر بالترك . ( وإما ) بالإيجاب العقلي ( أن يراد به الذي يؤدي عدمه