إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 281
الأصل الرابع : أن اللّه تعالى متفضل بالخلق والاختراع ومتطوّل بتكليف العباد ولم يكن الخلق والتكليف واجبا عليه . وقالت المعتزلة : وجب عليه ذلك لما فيه من مصلحة لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها ثم قال : وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [ الكهف : 79 - 82 ] وقال تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ بعد قوله : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النساء : 78 ، 79 ] وفي صحيح مسلم في حديث التوجه الطويل « الخير في يديك والشر ليس إليك بك وإليك » إلى غير ذلك . فصل وهذا المطلب أدلته من الكتاب والسنّة لا تحصى ، وقد مرّ بعضها وهي متمسك المحدث ، وأما الصوفي فيقول : لا إرادة لغيره إذ الإرادة تتوسط بين صفتين : إحداهما : تتعلق بايجاد الفعل وهي القدرة ، والأخرى تتعلق بكشفه على ما هو عليه في نفسه وهي العلم ، وقد تقدم أنهما للّه تعالى . وبالجملة ؛ فالتأثير للّه والتخصيص الإرادي للّه والكشف العلمي للّه ، والعبد قابل لما يبدو عليه فما يبدو فيه متى شاءه عادة فهو كسبه وما لا فليس بكسبه والكل فعل اللّه تعالى . [ الأصل الرابع : أن اللّه تعالى متفضل بالخلق والاختراع ومتطوّل بتكليف العباد ] ( الأصل الرابع ) : في خصوصيات التكوين التي منها التفضل والإنعام في الدارين بالتوفيق للأصلح في الدنيا والدين والتوفيق للطاعات والإثابة عليها والعدل بالخذلان وعدم التوفيق لذلك لسوء الاختيار بالمعاقبة على المعاصي . اعلم ( أن اللّه تعالى متفضل ) أي محسن ( بالخلق ) وهو الايجاد مطلقا ( والاختراع ) لا على مثال سابق ونعمة الإيجاد شاملة لكل موجود ، ( وهو ) تعالى ( متطوّل ) الطول هو الفضل والزيادة والمعنى متفضل ( بتكليف العباد ) أي : جعلهم أهلا لأن يخاطبهم بالأمر والنهي فما أنعم به فهو فضل منه وما عاقب عليه فهو عدل ، ( ولم يكن الخلق والتكليف واجبا عليه ) سبحانه . حاصله : أن جميع الكائنات كيفما كانت على العموم كوجود العالم أو على الخصوص ، كوجود الإنسان ووجود ما به ما يكون كماله من العقل ، وتيسير المطالب والصحة وسلامة القوى ، وبعث الرسل والثواب والعقاب . كل ذلك لا يجب عليه شيء منه لا بالوجوب الشرعي ولا العقلي ولا العادي ولا غير ذلك ، فجميع الكائنات بالنسبة إليه على السوية وإنما المخصص لاحد الجانبين مشيئته وارادته المتعلقة بالشيء تعلق التخصيص على نحو ما تعلق به العلم ، فجميع ما فعل مما فيه لطف بعبده بمحض فضل وكرم وإحسان منه إليه وما فيه من تعذيب وابتلاء فمحض عدل منه إليه ولو شاء لعكس . ( وقالت المعتزلة ) البغداديون منهم والبصريون : ( وجب عليه ) سبحانه ( ذلك رعاية لمصلحة العباد ) . اعلم أنهم اتفقوا على أصل الوجوب على اللّه تعالى ثم اختلفوا ، فزعم البغداديون