تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
. . . . . . . . . .
شرح
كذلك ، فإنها قد تكون مقرونة بحكمة تقتضي ذلك مع أنه مالك الأمور على الاطلاق يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . وحكي أن القاضي عبد الجبار الهمداني أحد شيوخ المعتزلة دخل على الصاحب بن عباد وعنده الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني أحد أئمة أهل السنّة فلما رأى الأستاذ قال : سبحان من تنزه عن الفحشاء ، فقال الأستاذ فورا : سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء ، فقال القاضي : أيشاء ربنا أن يعصى ؟ قال الأستاذ : أيعصى ربنا قهرا ؟ فقال القاضي : أرأيت أن منعني الهدى وقضى علي بالردي أحسن إليّ أم أسيء ؟ فقال الأستاذ : إن منعك ما هو لك فقد أساه وان منعك ما هو له فيختص برحمته من يشاء ، فبهت القاضي وعلى هذا قول أحد الزنادقة :أيا علماء الدين ذمي دينكم * تحير دلوه بأوضح حجة إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم * ولم يرضه منه فما وجه حيلتيوقد قيل : إن قائل هذا الكلام هو آمن البقتي المقتول على الزندقة في زمن شيخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد ، وأوّل من أجاب عنه الإمام علاء الدين الباجي وخلاصته : أن الواجب الرضا بالتقدير لا بالمقدور ، وكل تقدير يرضى به لكونه من قبل الحق ، ثم المقدور ينقسم إلى ما يجب الرضا به كالإيمان وإلى ما يحرم الرضا به ويكون الرضا به كفرا كالكفر وإلى غير ذلك . قال ابن السبكي في الطبقات : وقد أخذ أهل العصر هذا الجواب فنظموه على طبقاتهم في النظم والكل مشتركون في جواب واحد فمن ذلك جواب الشيخ تقي الدين بن تيمية ، والشمس ابن اللبان ، والنجم أحمد بن محمد الطوسي ، والعلاء القونوي ، وفي الكل تطويل لا يليق إيراده بهذا الموضع ، وقد أوردها ابن السبكي بتمامها فراجع الطبقات . ومن جملة ذلك جواب العلامة محمد بن أسعد تلميذ القاضي البيضاوي أورده ابن الهمام في المسايرة وفيه بيتان :فمعنى قضاء اللّه بالكفر عمله * بعلم قديم سر ما في الجبلة واظهاره من بعد ذاك مطابقا * لإدراكه بالقدرة الأزليةوحاصله : أن معنى قضائه تعالى علمه الأشياء أزلا بعلمه القديم ، ومعنى قدره إظهاره أي إيجاده تعالى بقدرته الأزلية ما تعلق علمه بوجوده على الوجه المطابق لتعلق العلم بوجوده واللّه أعلم . غريبة : قال الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى :فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا[ المزمل : 19 ، الإنسان : 29 ] أن هذه الآية من جملة الآيات التي تلاطمت فيها أمواج القدر والجبر ، فالقدري يتمسك بالآية ويقول : إنه صريح مذهبي ونظيره :فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ[ الكهف : 29 ] والجبري يقول : متى ضمت هذه الآية إلى الآية التي بعدها خرج منه صريح مذهب الجبر . وذلك لان قوله تعالى :فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًايقتضي أن تكون مشيئة
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 279 | مرتضى الزبيدي