. . . . . . . . . .
شرح
العبد متى كانت خالصة مستلزمة للفعل ، وقوله بعد ذلك :وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ[ التكوير : 30 ] يقتضي كون مشيئة اللّه مستلزمة لمشيئة العبد ومستلزم المستلزم مستلزم ، فإذا مشيئة اللّه تعالى مستلزمة لفعل العبد وذلك هو الجبر ، وأن الفعل قد يتخلف عن المشيئة بنسخ العزائم وتغيير المقاصد ، فليس في التعليق بمشيئة العبد دلالة على استلزام التفويض إليه ، واللّه أعلم .
نادرة :
قال الإمام الرازي في سورة الأنعام سمعت الشيخ الإمام الوالد عمر بن الحسين رحمه اللّه تعالى قال : سمعت الشيخ أبا القاسم بن ناصر الأنصاري يقول : نظر أهل السنّة إلى تعظيم اللّه في جانب القدرة ونفاذ المشيئة ، ونظر المعتزلة إلى تعظيم اللّه تعالى في جانب العدل والبراءة عن فعل ما لا ينبغي ، فإذا تأملت علمت أن أحدا لم يصف اللّه إلا بالإجلال والتعظيم والتقديس والتنزيه ، لكن منهم من أخطأ ومنهم من أصاب ، ورجاء الكل متعلق بهذه الكلمة وهي قوله تعالى :وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ[ الأنعام : 133 ] واللّه أعلم .
فصل
لا خلاف بين أهل السنّة والجماعة في إطلاق أن الكائنات كلها بإرادة اللّه تعالى على جهة العموم والإجمال ، وأما على التفصيل فنقل عن ابن كلاب أنه قال : لا يجوز أن يقال المعصية بإرادة اللّه تعالى دفعا لإيهام أن يكون مأمورا بها على ما سبق لبعض أوهام العوام كما توهمته فرق الاعتدال ، ومنهم من يرى جواز ذلك بتقييد يزيل هذا الإيهام فيقول : الباري مريد للمعصية وقوعا من مكتسبها ناه عنها معاقب على فعلها .
قال شارح الحاجبية : والحق أن ههنا مقامين : الأوّل : تحقيق ما في نفس الأمر . الثاني : التفسير بما يدل عليه . أما الأوّل : فقد أعطت الأدلة العقلية والسمعية والوجدية أنه جل وعلا مريد لجميع الكائنات على التفصيل ، وتفصيل التفصيل من غير استثناء ولا تقييد بإرادة واحدة من غير تقديم ولا تأخير ولا كثرة ، وإنما الاختلاف والكثرة في التعلقات فقط . وأما الثاني : فالعمدة فيه إنما هو الواردات السمعية إذ ذاك عمل لساني ، والأعمال قد انقسمت من جهة الأحكام الشرعية إلى ما يجوز وما لا يجوز ، والعمل اللساني من ذلك فما كان منه على مقتضى الأدب فحسن اطلاقه وما لا فلا ، والآداب إنما تعرف ممن قال : أدبني ربي فأحسن أدبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإذا تقرر ذلك فقد ثبت في الشرع ما يدل على أن الأدب عدم التصريح بما تعلق به النهي أو كان غير ملائم الطباع بنسبته إليه جل وعلا ، وإن كان كل ذلك في نفس الأمر ليس إلّا منه ؛ قال تعالى حاكيا عن خليله عليه السّلام :الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ[ الشعراء : 78 - 80 ] وقال جل وعلا حاكيا عن الخضر عليه السّلام :أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ