تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
لم يشأ لم يكن » . وقول اللّه عز وجل :
أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً
شرح
مكروه ، وقد تعلقوا في تمسكهم بقوله تعالى :وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ[ غافر : 31 ]وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ[ آل عمران : 108 ] قالوا إرادته ظلمهم لأنفسهم ، ثم عقابهم عليه ظلم فهو منزه عنه سبحانه وتمسكوا أيضا بقوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ[ الأعراف : 28 ] وقوله تعالى :وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ[ الزمر : 7 ] ، وقوله تعالى :وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ[ البقرة : 205 ] قالوا : والفساد كائن والمحبة تلازم الإرادة ، بل ليست غيرها ، فالفساد ليس بمراد وتمسكوا أيضا بقوله تعالى :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ الذاريات : 56 ] دلّ على أنه أراد من الكل العبادة والطاعة لا المعصية ، وهذا بناء منهم على أن الأمر والنهي يرجعان إلى الإرادة وعدم مغايرة أحدهما للآخر ، وقالوا : إرادة القبيح قبيحة والأمر بغير المراد والمرضي والمحبوب سفه وهو محال على اللّه تعالى ، وسيأتي الجواب عن كل ذلك ولنا في الاستدلال على أن إرادته تعالى متعلقة بكل كائن غير متعلقة بما ليس بكائن من جهة النقل ومن جهة العقل ، ثم شرع في الاحتجاج بالنقل وقرره بالاجماع ونصوص الكتاب ، فأشار إلى الأوّل بقوله : ( ويدل عليه من النقل قول الأمة قاطبة ) سلفها وخلفها واجماعهم على كلمة لا يجحدها معتز إلى الإسلام قبل ظهور الاعتزال وبدعهم ، وهو قولهم : ( ما شاء ) اللّه ( كان وما لم يشأ لم يكن ) وهي تلزمها ثلاث قضايا باعتبار العكس نقيضا وتساويا ، والمعتزلي يقول : ما شئت كان وما شاء اللّه لم يكن ، وهذه الكلمة دالة في عموم إرادته لسائر الكائنات . ( وقول اللّه عز وجل :أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً) [ الرعد : 31 ] أي لكنه شاء هداية بعض وإضلال بعض ، كما دل عليه قوله :وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ[ الإنسان : 30 والتكوير : 29 ] وهم قد شاؤوا المعاصي وفاقا ، فكانت بمشيئة اللّه تعالى بهذا النص النافي لأن يشاؤوا شيئا إلا أن يشاء اللّه سبحانه ، وفيه دليل على أنه لا دخل لمشيئة العبد إلا في الكسب ، وإنما الايجاد بمشيئة اللّه وتقديره وكذلك قوله تعالىوَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ[ النحل : 9 ] ، وقوله تعالى :وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً[ هود : 118 ] وفيها دليل ظاهر على أن الأمر غير الإرادة وأنه تعالى لم يرد الايمان من كل أحد ، وإن ما أراده يجب وقوعه كما في تفسير البيضاوي ، وقوله تعالى :فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً[ الأنعام : 125 ] ، وفيه تصريح بتعلق إرادته بالهداية والاضلال ، وقوله تعالى :وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً[ يونس : 99 ] ، وفيه دليل على كمال قدرته ونفوذ مشيتئه أنه لو شاء لآمن من في الأرض كلهم ، فلا يبقى فيها إلا مؤمن موحد ، ولكنه شاء أن يؤمن به من علم منه اختيار الإيمان به وشاء أن لا يؤمن به من علم أنه يختار الكفر ولا يؤمن به كما في التيسير . وقوله تعالى :وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ[ الأنعام : 111 ] ، وفيه دليل على أن الآية ، وإن عظمت فإنها لا تضطر إلى الإيمان ، ومن علم اللّه منه اختيار الايمان شاء له ذلك ، ومن علم منه اختيار الكفر والاصرار عليه شاء له ذلك ، كما في التأويلات الماتريدية . وقوله تعالى :