تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
. . . . . . . . . .
شرح

تكميل في بيان ابطال التولد :

قال ابن التلمساني في شرح لمع الأدلة : ولما زعمت المعتزلة أن العبد خالق لفعله ومستقل به ، وكان من حكم القدرة الحادثة أن لا تؤثر مباشرة إلا في محلها ، وقد نسبت إلى العبد أفعال خارجة عن محل قدرته كالحرق والخرق والقطع وغير ذلك ، وترتب عليه المدح والذم والثواب والعقاب قالوا : هو مقدور للعبد بواسطة القدرة على سببه وسموه متولدا كحركة الخاتم عند تحريك الأصبع ، فالسبب والمسبب مقدوران معا للعبد عندهم ، إلّا أن أحدهما مباشر والآخر بالتوسط ، ثم عدد المتولدات أربعة أنواع : المتفق عليه منها الوهي المولد للآلام ، والنظر المولد للعلم ، والتقريب على وجه مخصوص كتقريب الشمع من النار ، واختلفوا في الرابع وهو الموجب لهوى الثقيل هل هو الاعتماد أو الحركة ؟ فزعم أبو هاشم أن الموجب هو الاعتماد ، وزعم الجبائي أن الموجب هو الحركة ، وهذا المذهب هو عين مذهب أرباب الطبائع ، فإن السبب عندهم يوجب أثره إلا أن يمنعه مانع ، والمعتزلة تزعم أن السبب المولد يقتضي أثره إلا أن يمنع منه مانع ولم يعطوه حكم العلة العقلية ، فإنه لا يصح تأخر مقتضاها عنها ، وإذا ثبت أن اللّه خالق كل شيء بطل التولد ، فإنهم إنما أثبتوه من آثار القدرة الحادثة . أما قادرية القديم سبحانه فنسبتها إلى جميع ما يحصل بها نسبة واحدة ، فإنه تعالى لا يفعل إلا خارج ذاته . ونقل في الشامل الاتفاق من المعتزلة على أن التولد عندهم فعل فاعل السبب ، ونوقش في دعوى الاجماع فهم مع قول النظام أن من المولدات ما يضاف إلى اللّه تعالى لا على أنها فعله ، ولكنه خلق سببها وهي تقتضي لذاتها أثرها . ونقل عن حفص الفرد منهم أن ما يقع مباينا بمحل القدرة على قدر اختيار المتسبب فهو فعل لفاعل السبب كالقطع والعضد وما لا يقف على قدر اختياره كالهوى عند الدفع للحجر ، فليس من فعله ، واختلفوا في وقت تعلق القدرة بالمولد ، فذهب أكثرهم إلى أنه لا يزال مقدورا إلى حين وقوع سببه ، فيجب حينئذ به وينقطع أثر القدرة عنه ، ومنهم من قال : إنما ينقطع أثر القدرة إذا وقع ، وأما وجود سببه فلا يمنع كونه مقدورا . واتفق جمهورهم على أن الألوان والطعوم لا تقع مولدة . وذهب ثمامة إلى أن الحوادث التي حكموا بأنها مولدة حادثة ولا فاعل لها البتة ، وهذا يقدح في دلالة وجود الصانع ، واتفقوا على أن المولدات كلها خارجة عن محل القدرة إلا النظر ، فإنه يولد العلم بالذات ، ومما تمسك به أهل السنّة في ابطال التولد أن قالوا هذه الأفعال المحكوم عليها بأنها متولدة لا تخلو إما أن تكون مقدورة لفاعل السبب أو غير مقدورة له والقسمان باطلان ، فالقول بالتولد باطل أما الحصر فضروري ، وأما ابطال انها مقدورة لفاعل السبب فلأن الأثر عندهم واجب عند وجود سببه ، فلو كان مقدورا للزم وقوع أثر بين مؤثرين ، وأنه محال ، وأما إن كان غير مقدور له ، فإما أن يكون لها فاعل غيره أولا . الأوّل : تسليم المسألة . والثاني : يقدح في دلالة احتياج الصنع إلى الصانع وباللّه التوفيق .