تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
. . . . . . . . . .
شرح
( أفعال العبد ) بأسرها أدقها وجلها ( مخلوقة للّه تعالى ) ومخترعة له ، وإن نسب بعضها إلى العباد بطريق الكسب بالدلائل الواضحة السابقة ( صح أنها مرادة له ) تعالى والكل منه . وأما الجواب عما أورده متمسكا لهم عن الآيات السابق ذكرها فقولهم : ظلم العباد كائن منهم بلا شك فهو ليس مرادا له بدليل قوله تعالى :وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ[ غافر : 31 ] ، والجواب عنه : أنه تعالى نفى إرادته ظلم العباد وهو لا يستلزم نفي إرادته ظلم العباد أنفسهم ، فليس المنفي في الآية إرادة ظلم بعضهم بعضا ، فإنه كائن ومراد ، وأما عن تمسكهم بقوله تعالى :وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ[ الزمر : 7 ] ، وقوله :وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ[ البقرة : 205 ] ، فهو أنه لا تلازم بين الرضا والمحبة وبين الإرادة كما ادعوه ، إذ قد يريد الواحد منا ما يكره تعاطيه لبشاعة طعمه أو مرارته ، وأيضا فالرضا ترك الاعتراض على الشيء لا إرادة وقوعه ، والمحبة إرادة خاصة وهي ما لا يتبعها تبعة ومؤاخذة ، والإرادة أعم فهي منفكة عنها فيما إذا تعلقت بما تتبعه تبعة ومؤاخذة . وقرره ابن التلمساني على تسليم أن رضاه إرادته وتخصيص لفظ عباده بالمؤمنين بالمخلصين لعبادته وجعل الإضافة فيه للتشريف . وأجيب عن قولهم : أن إرادة الظلم من العبد ثم عقابه عليه ظلم بالمنع مسندا بان الظلم هو التصرف في ملك الغير من غير رضا من المالك ، أما في ملك نفسه فلا . وأجيب عن استدلالهم بقوله تعالى :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ الذاريات : 56 ] بمنع دلالة لام الغرض على كون ما بعدها مرادا ، بل معنى الآية لنأمرهم بالعبادة ، ولئن سلم فلا نسلم عموم الآية للقطع بخروج من مات على الصبا والجنون ، والعام إذا دخله التخصيص صار عند المعتزلة مجملا في بقية افراده فلا يصلح دليلا عندهم ، فليخرج من مات على الكفر كما يدل عليه قوله تعالى :وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ[ الأعراف : 179 ] والتحقيق ان الحصر في الآية إضافي ، والمقصود به أنه خلقهم لعبادته لا ليعود إليه منهم نفع كما دل عليه قوله تعالى :ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ[ الذاريات : 57 ] وليس حصرا حقيقيا كما فهموه فتأمل . وربما احتجوا بقوله تعالى :سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُناإلى قوله :كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ[ الأنعام : 148 ] ووجه تمسكهم من الآية أن اللّه تعالى رد على الكفار قولهم :لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنايعني فقد وبخهم اللّه تعالى على هذا القول ، ولو كان حقا لما وبخهم عليه . والجواب إنما رد اللّه تعالى قولهم لأنهم قالوه استهزاء بما طرق اسماعهم من حملة الشريعة من تفويض الأمور كلها للّه تعالى ، ولم يقولوه عن عقد جازم ، والدليل قوله تعالى في آخر الآية :إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ[ الأنعام : 148 ] فثبت أنهم قالوه ظنا وخرصا لا عن عقد جازم ، ومما يتمسكون به قوله تعالى :وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ[ النساء : 79 ] نسب الحسن إلى اللّه تعالى والسئ إلى فعل العبد . والأشعرية تنسب الجميع إلى اللّه تعالى وهو خلاف نص الآية . والجواب أن هذه الآية غير مشعرة بمحل النزاع ، فإن الآية التي أشعرت بها هي خلق اللّه تعالى النفع والضر وليس من المتكسبات ، بل الكل
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 275 | مرتضى الزبيدي