. . . . . . . . . .
شرح
والاختراع ، والاستقلال بها على وفق الإرادة القديمة ، ونسبة ظهورها في محل العبد وتجليها فيه كما هو شأن سائر الصفات في تجليها . إذ قدرة العبد من قدرة سيده وحوله بحوله وقوّته بقوّته ، كما أفصح بذلك لا حول ولا قوّة إلا باللّه الذي هو كنز من كنوز الجنة ، فتنسب إليها الأفعال بهذا المعنى على جهة الكسب والإضافة ، وينسب إلى ذلك الكسب تأثير يناسب على وجه المجاز لكونه محلا لظهور الأثر ، فإن المجاز عند العرب إذا تجوّز في حقيقة من الحقائق تجوز فيها مع عوارضها المشخصة التي لا تثبت الحقيقة ولا توجد إلا بها ، فإذا تجوّز في اطلاق السبع على المنية تجوّز في الحقيقة السبعية مع عوارضها وصفاتها التي لا تكمل السبعية إلا بها مثل الأظفار والجرأة العظيمة والاغتيال بالقهر ، وجعلت تلك الأوصاف كلها مجازا للمنية كما كانت للسبع حقيقة ، وإلّا لما صح التجوّز . فلو قيل مثلا : المنية سبع لا ناب لها ولا ظفر ولا جرأة ولا اغتيال لقبح ذلك كل القبح عند كل ذي ذوق سليم ، فكذلك يقال في الكسب الذي هو وصف العبد مع القدرة ، فإن سمينا وصف العبد قدرة لكونه له نسبة جعلية في وجود الفعل ، كما أن القدرة نسبة ذاتية في ذلك ، فلنجعل لذلك الكسب الذي سميناه قدرة تأثيرا مجازيا يناسبه وإلّا بطل تسميته قدرة كما بطل تسمية المنية سبعا من غير اثبات أوصاف السبع لها ، ولأجل هذا مع تنزيه أوصاف الحق تعالى أن ينسب شيء منها إلى العبد تحاشى الأقدمون من أهل السنّة والسلف الصالح عن تسمية وصف العبد قدرة ، فلا تكاد تسمع في مؤلفاتهم إلا الكسب حتى تجاسر على اطلاق القدرة المتأخرون ، ورأوا أن لا فريق بينه وبين القدرة ، ولم يتجاسروا على اطلاق التأثير على نسبته إلى الفاعل تباعدا عن قول القدرية بخلق العبد أفعاله ، فقالوا : قدرة لا تأثير لها فأثبتوا للعبد قدرة فرارا من قول الجبرية . وقالوا : لا تأثير لها فرارا من قول القدرية . ولعمري انها لعبارة حسنة في بادىء الرأي متوسطة بين قولي الافراط والتفريط ، وأنها إذا حكت على معيار التحقيق وطولب صاحبها كل المطالبة أدت إلى شيء لا يدرك له صاحبه معنى ولا يجد له مفهوما ، ثم قال : ولقد تكلمت مع بعض من زعم أنه ألف في الرد عليه فقال لي : إني حرت في كلام هذا الرجل فبينما أنا أقول هو قدري محض لما يظهر من كلامه إذ رجع رأيي فيه إلى أنه جبري محض ، فلا أدري من أي الجهتين هو ، وقد حرت في أمره .
قلت : شهدت له ورب الكعبة بالسنيّة وأنت لا تشعر لأن أقوى دليل على كون معتقد العبد موافقا للسنة في هذه المسألة كونه ليس مع أحد الجانبين ، ودليل كونه في غاية التوسط الذي هو غاية التحقيق كذلك كلما اعتبرته مع أحد الطرفين ظننته أقرب إليه من الآخر كقطب الرحى ومركزها ، فعلامة توسطه أنك كلما اعتبرته مع قطر من أقطارها ظننته أقرب إليه من الآخر ، وهكذا كلام هذا العارف إذا سمعت قوله : لقدرة العبد تأثير . قلت : هذا قريب من مذهب القدرية ، وإذا سمعت قوله : إنما هي قدرة واحدة ولا قدرة للعبد أصلا ، إنما يظهر من أثر قدرة الحق في محله . قلت : هذا قريب من مذهب الجبرية ، وهذا لعمري غاية التحقيق لمن علمه اه . وقد أطال فيه جدا واقتصرت منه على قدر الحاجة ، وإن كان كله حسنا .