عليه من جهة العقل أن المعاصي والجرائم إن كان اللّه يكرهها ولا يريدها ، وإنما هي جارية على وفق إرادة العدوّ إبليس لعنه اللّه مع أنه عدوّ للّه سبحانه ، والجاري على وفق إرادة العدوّ أكثر من الجاري على وفق إرادته تعالى ، فليت شعري كيف يستجيز المسلم أن يرد ملك الجبار ذي الجلال والإكرام إلى رتبة لو ردت إليها رئاسة زعيم ضيعة لاستنكف منها ، إذ لو كان ما يستمر لعدوّ الزعيم في القرية أكثر مما يستقيم له لاستنكف من زعامته وتبرأ عن ولايته . والمعصية هي الغالبة على الخلق وكل ذلك جار عند المبتدعة على خلاف إرادة الحق تعالى ، وهذا غاية الضعف والعجز ، تعالى رب الأرباب عن قول الظالمين علوّا كبيرا ، ثم مهما ظهر أن أفعال العباد مخلوقة للّه صح أنها مرادة له .
شرح
تعلق الإرادة بكل كائن ( من جهة العقل ) هو ( أن المعاصي والجرائم إن كان اللّه يكرهها ولا يريدها وإنما هي جارية ) وواقعة ( على وفق إرادة العدوّ ) الأكبر ( إبليس لعنه اللّه مع أنه عدوّ للّه سبحانه ) بنص الكتاب والسنّة ، ( والجاري على وفق إرادة العدوّ ) المذكور كما لا يخفى ( أكثر من الجاري على وفق إرادته ) عز وجل من الطاعات الجارية على مراده عز وجل . لزم رد ملك الجبار إلى رتبة خسيسة . ( فليت شعري كيف يستجيز المسلم ) العاقل ، أي : كيف يرى جائزا ( أن يرد ملك الجبار ) تعالى شأنه ( ذي الجلال والإكرام ) والعظمة والإنعام ( إلى رتبة لو ردّت إليها ) أي إلى تلك الرتبة ( رئاسة زعيم ) أي كفيل ( ضيعة ) أي قرية ( لاستنكف ) ذلك الزعيم ( منها ) وفي بعض النسخ : عنها . وذلك ( إذ لو كان يستمر ) أي يدوم مطردا ( لعدوّ ) ذلك ( الزعيم في ) محل مملكته وولايته أي تلك ( القرية ) وقوع مراد عدوّه ( أكثر مما يستقيم له ) أي : الزعيم ( لاستنكف من زعامته ) أي رئاسته وكفالته بأمور أهل تلك القرية ، ( وتبرأ عن ولايته ) لها ( والمعصية ) كما لا يخفى ( هي الغالبة على الخلق ) والطاعات هي الأقل ، ( وكل ذلك جار عند المبتدعة ) أي المعتزلة ومن تبعهم من أهل الأهواء ( على خلاف إرادة الحق ) تعالى . ( وهذا غاية الضعف والعجز .
تعالى رب الأرباب عن قول الظالمين علوّا كبيرا ) . وحاصل هذا الجواب : أن العقول قد قضت بأن قصور الإرادة وعدم نفوذ المشيئة من أصدق الآيات الدالة على سمات النقص والاتصاف بالقصور والعجز ، ومن ترسم للملك ثم كان لا ينفذ مراده في أهل مملكته عدّ ضعيف المنة مضياعا للفرصة ، فإن كان ذلك يزري بمن ترسم للملك فكيف يجوز في صفة ملك الملوك ورب الأرباب ؟ هكذا سياق إمام الحرمين في اللمع ، ويعني من سياقه أن أكثر أفعال العباد واقعة على ما يدعو إليه الشيطان ويريده ، والطاعات التي يدعو إليها اللّه تعالى ويريدها هي الأقل ، فإذا كان الأكثر واقعا على خلاف مراد اللّه تعالى اقتضى ذلك نقصا في الملك وقصورا وعجزا ، وهذا هو المحتج به على الوحدانية وقد نقضه المعتزلة إذ قالوا : إن اللّه تعالى يريد الإيمان والطاعة ولا يقع مراده ، والعبيد يريدون الكفر والعصيان ويقع مرادهم . ( ثم مهما ظهر ) لك واتضح