إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 271
الأصل الثالث : أن فعل العبد وإن كان كسبا للعبد فلا يخرج عن كونه مرادا للّه سبحانه ، فلا يجري في الملك والملكوت طرفة عين ولا لفتة خاطر ولا فلتة ناظر إلا بقضاء اللّه وقدرته وبإرادته ومشيئته . ومنه الشر والخير ، والنفع والضر ، والإسلام والكفر ، والعرفان والنكر ، والفوز والخسران ، والغواية والرشد ، والطاعة والعصيان ، والشرك والإيمان . لا رادّ لقضائه ولا معقب لحكمه يضل من يشاء ويهدي من يشاء لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] ويدل عليه من النقل قول الأمة قاطبة : « ما شاء كان وما [ الأصل الثالث : أن فعل العبد وإن كان كسبا للعبد فلا يخرج عن كونه مرادا للّه ] ( الأصل الثالث : أن فعل العبد وإن كان كسبا للعبد ) باعتبار نسبته إليه ( فلا يخرج عن كونه مرادا للّه سبحانه ) اتفق أهل السنّة والجماعة على أن صانع العالم جل وعلا مريد لجميع الكائنات من خير وشر وإيمان وكفر ، ضرورة أنه جل وعلا فاعل للكل فيكون مريدا للكل ضرورة أنه فاعل بالاختيار ، وأيضا فهو عالم بما لا يقع فلا يريده لأن الإرادة صفة توجب تخصيص الحادث بحالة حالة حدوثه عند تعلق القدرة ، فما علم أنه لا يقع محال أن يقع ، وإن كانت إحالته بالغير ، وكل ما هو محال أن يقع ولو بالغير لا تتعلق به إرادته إذ لو تعلقت إرادته به على ذلك التقدير لكان متمنيا . تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . وقد زاد المصنف لذلك ايضاحا فقال : ( فلا يجري في الملك ) أي العالم السفلي ( والملكوت ) أي العالم العلوي ( طرفة عين ولا فلتة خاطر ولا لفتة ناظر ) ، وبين الفلتة واللفتة جناس القلب ( إلا بقضاء اللّه وقدره ) ، والقضاء عند الأشاعرة يرجع إلى الإرادة والقدر إلى الخلق ، كما في شرح المواقف . وعند الماتريدية هما غير الإرادة ، فالقضاء بمعنى الخلق ، والقدر بمعنى التقدير خلافا للأشاعرة وغير العلم خلافا للفلاسفة كما سيأتي ، ( وبإرادته ومشيئته ) عطف تفسير للإرادة ، فإرادته تعالى متعلقة بكل كائن غير متعلقة بما ليس بكائن ، ثم بيّن تلك الحوادث التي تقع مرادة للّه تعالى فقال : ( ومنه ) تعالى ( الشر والخير ) هكذا في النسخ بتقديم الشر على الخير ، وفي بعضها بتقديم الخير وهو الأوفق لما بعده من الفقر ، ( والنفع والضر ) ، والحلو والمر ، ( والإسلام والكفر ، والعرفان والنكر ، والفوز والخسران ، والغواية والرشد ، والطاعة والعصيان ، والشرك والإيمان ) وكل مما ذكر ضد لصاحبه ( لا رادّ لقضائه ) الذي قضاه وأراده ، ( ولا معقب لحكمه ) الذي أمضاه ودبره ، ( يضل من يشاء ) أن يضل لاستحبابه الضلال وصرف اختياره إليه ( ويهدي من يشاء ) أي يهديه لصرف اختياره إلى الهداية ، وتسمية بعض الكائنات شرا بالنسبة إلى تعلقه وضرره لنا لا بالنسبة إلى صدوره عنه ، فخلق الشر ليس قبيحا إذ لا قبيح منه تعالى : ( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ) في خلقه ( وَهُمْ يُسْئَلُونَ ) [ الأنبياء : 23 ] عن أعمالهم مقهورون تحت قبضة قدرته . هذا مذهب أهل الحق . وذهبت المعتزلة إلى أن الأمر أنف وقضوا بأن للخير فاعلا وللشر فاعلا . وقد قال ابن عمر : أنهم مجوس هذه الأمة لذلك ، وقد صاروا إلى أن كل مطلوب فعله من واجب أو مندوب فهو مراد اللّه تعالى وقع أو لم يقع ، وكل منهي عنه نهي تحريم أو تنزيه فهو مكروه ، وما ليس كذلك من أفعال العباد لا يوصف بأنه مراد للّه تعالى ولا