. . . . . . . . . .
شرح
اعتقاد انفراد اللّه تعالى بخلق العبد وخلق أفعاله غير مفتقر إلى معنى ، واعتقاد أن لكسب العبد دخلا في وجود أفعاله على وجه لا يضايق فيه القدرة الإلهية ولا يزاحمها ولا يعينها ، ولكن عجزنا عن إدراك ذلك على وجهه ، ومن آتاه اللّه فهما وعلما ونورا فأدرك حقيقة ذلك كما يدرك العارفون باللّه حقائق أشياء كثيرة من عالم الغيب والشهادة قد عجز عن ادراكها أكثر الخلق ، فلا ينبغي الإسراع إلى الانكار عليه ولا التشنيع عليه ، إذ لم يدع محالا ، فالأولى التسليم له سيما أن كان من أئمة الهدى ورؤساء السنة كإمام الحرمين أو ممن ظهرت ديانته وثبتت في علوم الشرع مشاركته ، ولم يرم ببدعة ، ولم ينبذ بسوء اعتقاد كشيخنا الغوث صفي الدين القشاشي ، وإن كان لا بدّ من التعقب والنقد والنظر في كلام من هذه صفته ، فلينظر بعين الانصاف وسداد الرأي إلى كلامه ، فإن فهمه الناظر حق الفهم بسبره بالمعيار المتقدم من عرضه على آراء أهل الضلالة ، فإن وافق أحد الجانبين الباطلين كل الموافقة حتى صار هو هو ، فهو جدير بأن يلغى ويترك وتوكل سريرة قائله إلى اللّه تعالى لاحتمال أن عبارته لم توف بما في ضميره لعلمنا بأنه من أهل السنة ، وإن لم يوافق أحد الجانبين المحكوم ببطلانهما إلا أنه على خلاف ما كنا نعتقده نحن ونتوهمه ونفهمه من كلام الغير ، فلا ينبغي أن نحكم ببطلانه لأجل مخالفته لكلام الغير من الأئمة لأن الحق في المسألة ليس منحصرا في شيء بعينه يدركه كل أحد ، فيحتمل أن هذا القائل قد عثر على الحق أو على جانب منه . إذ ليس فيه أمارة الباطل ودليله ، وأما إن كان الناظر في كلام أحد من الأئمة المتقدم ذكرهم لم يفهمه كل الفهم ولم يحط علما بمقاصده ، والتبست عليه المذاهب في تحقيق مقالته وهذا وصف غالب من ابتلي بالاعتراض على المشايخ ، فما أجدر هذا بأن يمسك عن الخوض في ذلك لأن الحكم على الشيء بالصحة والفساد فرع تصوّره ، وهذا لم يتصوّر شيئا من معتقد هذا الإمام حتى يحكم برده أو امضائه ، فليحرر هذا المسكين معتقد نفسه على مذهب أهل السنّة والحق ، وليجتهد قدر طاقته في تنزيهه من مذاهب أهل الباطل ، وفي موافقة أهل الحق قدر وسعه وليترك ما وراء ذلك لأهله فإن خاض فيه فقد عرض نفسه لما لا قبل له به ، وقد ابتلي أقوام من المترسمة من أهل عصرنا بالتشنيع على شيخنا صفي الدين وتبديعه وتضليله وقالوا : إنه يقول بتأثير القدرة الحادثة ، وخالف الشيخ السنوسي وغيره من المشايخ ورد عليهم ، فإذا طولبوا بتحقيق ما ردوه عليه عجزوا ، فإذا قيل لهم ما معنى التأثير الذي نسبه للقدرة الحادثة وما معنى التأثير الذي نفيتموه أنتم مع تسميتكم لها قدرة ؟ لم يأتوا من الجواب إلا بجعجعة ليس لها طحين وهمهمة ليس معها تبيين ، مع أن الشيخ رضي اللّه عنه مصرح بعدم تسميته وصف العبد قدرة إلا على وجه مجاز . إذ لا يعقل من معنى القدرة إذا أطلقت إلا وصف له تأثير ، فإن سمينا وصف العبد الذي له نسبة في وجود الفعل جعلها اللّه له قدرة مجازا ، فلنسمّ تلك النسبة التي جعلها اللّه له في وجود الفعل أيضا تأثيرا مجازا ، وإن قلنا : لا تأثير لقدرته نعني حقيقة . فلنقل لا قدرة له أيضا حقيقة ، وإنما هي قدرة واحدة قديمة إلهية ذات نسبتين : نسبة وجودها وقيامها بذات المولى جل جلاله أزلا وأبدا فتنسب إليها الأفعال حقيقة على جهة الخلق