. . . . . . . . . .
شرح
فعل رضي اللّه عنه من تأويلها وتبيين معناها على حسب ما ظهر ، وإن كان فيه غموض على أفهام كثير من الناس أولى مما فعله كثير من المشايخ ببطلانها ، والتشنيع على الإمام وعلى من نسبها إليه ، وأنكروا وجودها في كتبه وذلك قصور منهم ، فإنها قولة صحت عن الإمام في رسالته النظامية التي هي من آخر مؤلفاته ، ولذلك لم يتردد المتقدمون بنسبتها إليه لاحاطتهم بأخبار الإمام ومطالعتهم لكتبه ، ولما لم تشتهر هذه المسألة لتأخرها كاشتهار الإرشاد وغيره لم تبلغ إلى بعض المتأخرين ، فأنكر وجود القولة المشهورة في شيء من كتب الإمام ، وظن أنها مفتعلة عليه أو صدرت منه في مجلس المناظرة على وجه المعارضة ، أو ارخاء العنان إلى غير ذلك مما لا يعد مذهبا لقائله ، وقد بالغ شيخنا في إيضاحها والاستشهاد في رسائله الثلاث ، وكذلك تلميذه السابق ذكره بالغ في بيانها وكشفها ، ومع ذلك لم تخل عن غموض ولم تتضح كل الوضوح ، ولا غرو إذ هي من معضلات المسائل التي حارت فيها أفكار المتقدمين ، ولم تحصل على طائل في تحقيق معناها آراء المتأخرين ، فقصارى أمرهم فيها اعتقاد انفراد الرب تعالى بالخلق والاختراع ، واعتقاد أن للعبد في أفعاله الاختيارية كسبا به صح نسبة الأفعال إليه ، وبه ثبت التكليف ، وعليه ترتب الثواب والعقاب ، وهذا معتقد جميع أهل السنة وهو الحق الذي لا محيص عنه ، ولكنه إذا ضويقوا في تحقيق معنى هذا الاكتساب وتبيينه تباينت آراؤهم بين مائل إلى ما يقرب من الجبر ، ومائل إلى ما يقرب من القدر ، وأهل السنة لا يقولون بواحد منهما ، فقد قال السعد في شرح العقائد بعد ما ذكر كلاما في معنى الكسب ما نصه : وهذا القدر من المعنى ضروري إذ لم نقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد بخلق اللّه تعالى وايجاده مع ما للعبد فيه من القدرة والاختيار ، فإذا علم أن فحول أهل السنّة قد عجزوا عن تحقيق معناه مع تظاهرهم وتظافر معتقداتهم على نفي الجبر والاستقلال ، فلا ينبغي المبادرة إلى التشنيع والانكار على من أحدث قولا في المسألة بفهم آتاه اللّه تعالى إياه أو انتصر إلى قول من الأقوال المقولة فيها لأهل السنّة بدلائل يبينها الحق له وبصيرة أنارتها الهداية الإلهية ما دام لم ينقض بصحة أحد القولين المتفق على بطلانهما عند أهل الحق ، وهما الجبر والاستقلال ، لأن ذلك هو المعيار الصادق ، فما دام العبد يعتقد في المسألة معتقدا ليس بجبر ولا استقلال فهو على الجادة ، وإن عجز عن تحقيقه إذ لا نكلف بإدراك الكنه في كثير من المسائل الاعتقادية ، وإنما المكلف به فيها هو اعتقاد الثبوت والوجود فقط .
وهذه المسألة أعني مسألة الكسب ليست من المسائل التي يستحيل فيها إدراك الكنه حتى نحكم بتضليل من ادعى إدراك كنهه وحقيقته بل لغموضه وخفائه لم نكلف بمعرفة حقيقته بل باعتقاد ثبوته ووجوده ، وأن للعبد كسبا به نيط التكليف يوجد بوجوده مع استكمال الشرائط وينتفي بانتفائه لأن من لم يعتقد ذلك وقع لا محالة في أحد أمرين محالين ، وغاية ما نقول في الكسب : هو صفة من صفات العبد يحس كل أحد بوجودها فيه وثبوتها في محله فيها يفرق بين أفعاله الاختيارية والضرورية ، ولكنه لا يدري حقيقتها ولا يحقق قبل التحقيق نسبة أفعاله إليها ، مع