الاعتقاد وهو أنها مقدورة بقدرة اللّه تعالى اختراعا وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنه بالاكتساب . وليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون بالاختراع فقط ، إذ قدرة اللّه تعالى في الأزل قد كانت متعلقة بالعالم ، ولم يكن الاختراع حاصلا بها وهي عند الاختراع متعلقة به نوعا آخر من التعلق فيه يظهر أن تعلق القدرة ليس مخصوصا بحصول المقدور بها .
شرح
يصح انفراد القادر بإيقاع المقدور بذلك الأمر ، فالكسب لا يوجب وجوب المقدور ، بل يوجب من حيث هو كسب اتصاف الفاعل بذلك المقدور ، واختلاف الإضافات مبني على الكسب لا على الخلق كما في التوضيح ، وفي التلويح أن المحققين من أهل السنّة على نفي الجبر والقدر واثبات أمر بين الأمرين ، وهو أن المؤثر في فعل العبد أي أصله ووصفه مجموع خلق اللّه تعالى واختيار العبد لا الأوّل فقط ليكون جبرا ، ولا الثاني فقط ليكون قدرا ، وكان القول بتأثير القدرتين قدرة اللّه في الإيجاد وقدرة العبد في الكسب والاتصاف ، كما دل مجموع الكلام قولا متوسطا جامعا مقتضى جميع الأدلة . وأشار له المصنف بقوله : ( وهو انها مقدورة بقدرة اللّه تعالى اختراعا ) وخلقا ( وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنها بالاكتساب ) عملا بظاهر الآيةلَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ[ البقرة : 286 ] ( وليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون بالاختراع ) الذي هو خاصيتها أي التأثير ( فقط إذ قدرة اللّه تعالى في الأزل قد كانت متعلقة بالعالم ولم يكن الاختراع حاصلا بها ) أي : ولم يحصل الاختراع بها إذ ذاك ( وهي عند الاختراع متعلقة به ) أي بالعالم ( نوعا آخر من التعلق ) ، فبطل أن القدرة من حيث تعلقها مختصة بإيجاد المقدور ، وإليه أشار بقوله : ( فيه ) أي بما تقدم ذكره ( يظهر أن تعلق القدرة ليس مخصوصا بحصول المقدور بها ) وهذا التعلق هو المسمى بالكسب .
وأورد عليه ابن الهمام فقال : ولقائل أن يقول قولكم أن قدرة العبد تتعلق بالحركة لا على وجه التأثير فيها ، وإن التعلق لا على وجه التأثير هو الكسب مجرد ألفاظ لم يحصلوا لها معنى ، ونحن ما نفهم من الكسب إلا معنى التحصيل وتحصيل الفعل المعدوم ليس إلا إدخاله في الوجود وهو ايجاده ، وقولكم : إن القدرة الحادثة تتعلق بلا تأثير كتعلق القدرة القديمة في الأزل ممنوع ، وتحقيق المقام أن نقول معنى ذلك التعلق الأزلي للقدرة القديمة نسبة المعلوم الوقوع من مقدوراتها إليها بأنها ستؤثر في ايجاد ذلك المعلوم عند وقت وجوده ، وذلك ان القدرة إنما تؤثر على وفق الإرادة وتعلق الإرادة بوقوع الشيء هو تخصيص ذلك الوقوع بوقته دون ما قبله وما بعده من الأوقات ، والقدرة الحادثة يستحيل فيها ذلك لأنها مقارنة للفعل عندكم ، فلم يكن تعلقها بالفعل إلا على ما ذكرتم . أما التأثير كما هو الظاهر ، أو تبينوا لتعلقها بالفعل معنى محصلا ينظر فيه ليقبل أو يرد لو سلم ما ذكرتم من أن قدرة العبد تتعلق بالفعل بلا تأثير فيه ، فالمقتضى لوجوب تخصيص تلك النصوص بإخراج أفعال العباد الاختيارية منها هو لزوم الجبر المحض المستلزم