تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
مقدورة للعباد على سبيل الاكتساب ، بل اللّه تعالى خلق القدرة والمقدور جميعا وخلق الاختيار والمختار جميعا . فأما القدرة فوصف للعبد وخلق للرب سبحانه وليست بكسب له . وأما الحركة فخلق للرب تعالى ووصف للعبد وكسب له ، فإنها خلقت مقدورة بقدرة هي وصفه وكانت الحركة نسبة إلى صفة أخرى تسمى قدرة فتسمى باعتبار تلك النسبة كسبا ، وكيف تكون جبرا محضا وهو بالضرورة يدرك التفرقة بين
شرح
هنا كل حادث وقع في محل قدرته فعل اختياري من إنس أو جن أو ملك ( لا يخرجها عن كونها مقدورة للعباد على سبيل الاكتساب ، بل اللّه تعالى خالق القدرة والمقدور ) أي من قامت به القدرة لايجاده ( جميعا ، وخلق الاختيار والمختار ) هو من قام به وصف الاختيار ، ( فأما القدرة فوصف للعبد وخلق للرب سبحانه وليس بكسب له ، وأما الحركة فخلق للرب تعالى ووصف للعبد وكسب له ) أي : كما أنها وصف للعبد ومخلوقة للرب تعالى لها أيضا نسبة إلى قدرة العبد كسبا بمعنى انها مكسوبة له ، ( فإنها ) أي تلك الحركة ( خلقت مقدورة بقدرة هي وصفه ) . كذا في النسخ ، وفي بعضها هي صفة ، وفي أخرى وهي صفة بزيادة الواو . ( وكانت الحركة نسبة ) . وفي بعض النسخ : فكانت . وفي أخرى : فكانت للحركة ( نسبة إلى صفة أخرى تسمى قدرة فتسمى ) وفي بعض النسخ : فيسمى ( باعتبار تلك النسبة كسبا ) . اعلم أن هذا الأصل معقود على بيان كسب العبد وقد ضرب به المثل حتى قالوا : أدق من كسب الأشعري ، وقد قال بعض من عاب الكلام كما نقله ابن القيم وغيره : محالات الكلام ثلاثة : طفرة النظام ، وأحوال أبي هاشم ، وكسب الأشعري . أي : يقول قدرة ولا أثر لها وذلك عين العجز ، وإن كان هذا الكلام وأمثاله من سوء التعبير حيث عد معتقد أهل السنّة والجماعة مع محالات المعتزلة ، ومذهب أهل الحق لا جبر ولا اعتزال كما يشير إليه المصنف ، وقد اضطرب المحققون في تحرير الواسطة التي عسر التعبير عنها والحنفية يسمونها الاختيار ، والصحيح أن الاختيار والكسب عبارتان عن معبر واحد ، ولكن الأشعري آثر لفظ الكسب لكونه منطوق القرآن ، والماتريدي آثر لفظ الاختيار لما فيه من إشعار قدرة العبد كما تقدم ، والفرق بين الكسب والخلق أن الكسب أمر لا يستقل به الكاسب ، والخلق أمر يستقل به الخالق . وقيل : ما وقع بآلة فهو كسب ، وما وقع لا بآلة فهو خلق ، ثم ما أوجده اللّه سبحانه من غير اقتران قدرة العبد وإرادته يكون صفة له ولا يكون فعلا له ، وما أوجده مقارنا لايجاد قدرته واختياره فيوصف بكونه صفة وفعلا وكسبا ، فالجبرية أنكروا أن يكون للعبد قدرة البتة والمثبتون لهذا المعنى الذي سموه قدرة مختلف فيه ، فقال الأشعري : انها تتعلق ولا تؤثر فإن الفعل واقع عنده بمحض قدرة اللّه تعالى ولا يتصوّر وقوع مقدور بين قادرين ، فآلت التفرقة عنده بين الحركتين إلى أن إحداهما واقعة على وفق قصده واختياره ، والأخرى غير واقعة كذلك ، وإلى اعتقاد تيسير بعض الأفعال عادة فسمى أحد القسمين مقدورا فهو متعلق التكليف ، والثاني غير مقدور والتكليف بمثله يكون من تكليف المحال وهو يقول بجوازه ، وتردد