تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
الحركة المقدورة والرعدة الضرورية ؟ أو كيف يكون خلقا للعبد وهو لا يحيط علما
شرح
النقل عنه في وقوعه . وإلى هذا القول مال أهل الحديث والصوفية ، ويقولون : إن للعبد قدرة تتعلق بالفعل يخلقها اللّه عند خلق الفعل من غير تأثير لها فيه ، وإنما التأثير للباري جل وعز ، ويعرف هذا بالجبر المتوسط . واختاره إمام الحرمين في الارشاد . ومنهم من قال إنها تؤثر واختلفوا في جهة التأثير ، فزعم القاضي أبو بكر الباقلاني أنها تؤثر في أخص وصف الفعل ، فإن الحركة من حيث كونها تنقسم إلى صلاة وغصب وسرقة وغير ذلك ، وهذه الوجوه منسوبة إلى العبد كسبا ، وأصل الفعل منسوب إلى اللّه تعالى ايجادا وابداعا ، واختاره الشهرستاني . وإلى ذلك ذهب أبو إسحاق الأسفرايني إلا أنه ينفي الأحوال ويقول : إن أخص وصف الشيء وجه واعتبار في الفعل ، ولإمام الحرمين مذهب يزيد على المذهبين جميعا ، ويدنو كل الدنوّ من الاعتزال وليس هو هو ، فإنه قال في الرسالة النظامية وهي آخر مؤلفاته : أن القدرة الحادثة تؤثر في أصل ايجاد الفعل . كما قاله المعتزلة إلا أنه قال : إن العبد إنما يوقع ما يوقعه على أقدار قدرها اللّه تعالى . وقال : إن هذا المذهب هو الجامع لمحاسن المذاهب ، فإن القدرة إذا لم تؤثر من وجه البتة لم يحسن التكليف ولا تخصيص فعل بثواب ولا عقاب كما ذهب إليه المعتزلة . وفي اثبات ذلك ما يدل لهذا ، وحيث قال : إن العبد لا يوقع إلا ما قدره اللّه إلخ لم يلزمه ما لزم المعتزلة من مخالفة الاجماع وهو : أن ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن ، وقد مال إلى هذا المصنف . وقال الإمام أبو منصور الماتريدي : أصل الفعل بقدرة اللّه تعالى والاتصاف بكونه طاعة أو معصية بقدرة العبد وهو مذهب جمهور مشايخ الماتريدية ، ففي التوضيح أن مشايخنا ينفون عن العبد قدرة الإيجاد والتكوين فلا خالق ولا مكوّن إلا اللّه تعالى ، لكن يقولون : إن للعبد قدرة ما على وجه لا يلزم منه وجود أمر حقيقي لم يكن ، بل إنما تختلف بقدرته النسب والإضافات فقط كتعيين أحد المتساويين وترجيحه ، وفي التلويح أنه اختيار الباقلاني ، ثم إن المصنف لاحظ أن ما ذهب إليه شيخه في الرسالة النظامية وصار إليه في آخر عمره لا ينجيه من الجبر ، فإن العبد إذا كان لا يوقع إلا ما خصصه اللّه له وقدر ايقاعه ، فعند ذلك لا يتأتى منه الفعل بدون ذلك ، وإذا أراد اللّه ذلك فلا يتأتى منه الترك البتة فالجبر لازم له ، فأشار إلى الرد بقوله : ( وكيف يكون جبرا محضا وهو ) أي العبد العاقل ( يدرك التفرقة ) الضرورية بطريق الوجدان ( بين الحركة المقدورة ) له وهي الاختيارية ، وبين ( الرعدة الضرورية ) التي تصدر بدون اختيار ، كحركة اليد من المرتعش . وهذا من باب الاستدلال بالسبب على المسبب . قال ابن التلمساني : والحق ان الإنسان كما يجد من نفسه تأتيا لبعض الأفعال زائدا على سلامة البنية يجد من نفسه أنه لا يستقل بدون إعانة اللّه تعالى ، كما قال تعالى :إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[ الفاتحة ] . وفي محجة الحق لأبي الخير القزويني العاقل يفرق بين الحركة الاضطرارية والاختيارية ، فلا يخلو إما أن ترجع التفرقة إلى نفس الحركة أو إلى غيرها . محال أن ترجع