لفعل العبد وقدرته تامة لا قصور فيها وهي متعلقة بحركة أبدان العباد والحركات متماثلة وتعلق القدرة بها لذاتها ، فما الذي يقصر تعلقها عن بعض الحركات دون البعض مع تماثلها ؟
شرح
عدم العلم بالأعضاء التي هي آلتها والمحال التي فيها مواقعها وعدم العلم بهيئاتها وأوضاعها ، وكل ذلك ظاهر . وأيضا فلو كان فعل العبد بقدرته لزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد وهو محال لما يلزم عليه من اجتماع النقيضين وهو الاستغناء وعدم الاستغناء ، أما الملازمة فلأن فعل العبد ممكن ، وكل ممكن واقع بقدرة اللّه تعالى ضرورة أن الإمكان هو المحوج للسبب المعين ، لأن غير المعين لا تحقق له والإمكان معقول واحد في جميع الممكنات ، فيلزم افتقار جميع الممكنات إلى ذلك السبب المعين وإلا لزم الترجيح بلا مرجح ولا جائز أن يكون ذلك السبب ممكنا وإلا لزم التسلسل ، فيكون واجب الوجود هو صانع العالم فيكون جميع الممكنات واقعة بقدرته ، فلو كان فعل العبد واقعا بقدرته لزم المحال المذكور وهو المطلوب ، وأيضا لو جاز أن يكون فعل العبد واقعا بقدرته لجاز أن يكون الجواهر وسائر الأعراض بقدرته ، والتالي باطل بالاتفاق ، فالمقدم مثله اما الملازمة فلأن المحوج لفعل العبد إلى سببه هو الإمكان والحدوث ، وكل منهما حقيقة واحدة في جميع الممكنات . واستدل المصنف على اثبات هذا المطلب من العقلية بدليل آخر فقال :
( وكيف لا يكون ) الباري تعالى ( خالقا لفعل العبد ) وموجدا له ( وقدرته ) تعالى ( تامة ) صالحة لخلق كل حادث ( لا قصور فيها ) ولا لها عن شيء منه ، لأن المقتضي للقادرية هو الذات لوجوب استناد صفاته تعالى إلى ذاته والمصحح للمقدورية هو الإمكان ، لأن الوجوب والامتناع الذاتيين يحيلان المقدورية ، ونسبة الذات إلى جميع الكائنات في اقتضاء القادرية على السواء ، فإذا ثبتت قدرته على بعضها ثبتت قدرته على كلها ، وإلّا لزم التحكم . وإليه أشار المصنف بقوله : ( وهي متعلقة بحركة أبدان العباد والحركات متماثلة وتعلق القدرة بها لذاتها فما الذي يقصر تعلقها عن بعض الحركات دون البعض مع تماثلها ) ؟ فوجب إضافة الحوادث كلها إليه سبحانه بالخلق .
قال ابن أبي شريف : وهذا الاستدلال مبني على ما ذهب إليه أهل الحق من أن المعدوم ليس بشيء ، وإنما هو نفي محض لا امتياز فيه أصلا ولا تخصيص قطعا فلا يتصوّر اختلاف في نسبة الذات إلى المعدومات بوجه من الوجوه خلافا للمعتزلة ، ومن أن المعدوم لا مادة له ولا صورة خلافا للحكماء ، وإلّا لم يمتنع اختصاص بعض الممكنات دون بعض بمقدوريته تعالى كما يقوله الخصم ، إذ المعتزلي يقول : جاز أن يكون خصوصية بعض المعدومات الثابتة المتميزة مانعا من تعلق القدرة ، والحكيم يقول : جاز أن تستبد المادة بحدوث ممكن دون آخر ، وعلى هذين التقديرين لا تكون نسبة الذات إلى جميع الممكنات على السواء ، ولما كان هذا الاستدلال لا يخلو عن ضعف لابتناء دليله على أمر مختلف فيه يمنعه الخصم قواه بدليل آخر وقربه إلى الافهام في أفعال غير العقلاء ، وحاصل ما أشار إليه هو أن العبد لو كان خالقا لفعله لكان محيطا بتفاصيله وهو لا يحيط بمعظم تفاصيل فعله ولا يتصوّر القصد إلى ايجاد الفعل مع الجهل به . فقال : ( أو