تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
أو كيف يكون الحيوان مستبدا بالاختراع ويصدر من العنكبوت والنحل وسائر الحيوانات من لطائف الصناعات ما يتحير فيه عقول ذوي الألباب ، فكيف انفردت هي باختراعها دون رب الأرباب وهي غير عالمة بتفصيل ما يصدر منها من الاكتساب ؟ هيهات هيهات ! ذلت المخلوقات وتفرّد بالملك والملكوت جبار الأرض والسماوات . الأصل الثاني : أن انفراد اللّه سبحانه باختراع حركات العباد لا يخرجها عن كونها
شرح
كيف يكون الحيوان مستبدا ) أي مستقلا ( بالاختراع ) والابداع من غير مثال سابق ( ويصدر من العنكبوت ) الحيوان المعروف ( والنحل ) هو ذباب العسل ( وسائر الحيوانات ) أي مما عداهما ( من لطائف الصناعات ) وغرائب الاشكال ( ما يتحير فيه عقول ذوي الألباب ) ، فمن نسج العنكبوت الذي يصل إلى حد لا يتبين شيء من الخطوط الواهية التي تركب منها ، ومن بناء النحل الشمع على الشكل المسدس الذي لا خلاء في بيوته ولا خلل فيها ، ثم إلقاء العسل به أولا فأولا إلى أن تمتلئ البيوت ثم تختم بالشمع على وجه يعمها في غاية من اللطف ، ( فكيف انفردت هي باختراعها ) على هذا الشكل الغريب ( دون رب الأرباب جل جلاله وهي غير عالمة بتفصيل ما يصدر منها ) وعنها ( من الاكتساب هيهات هيهات ، ذلت المخلوقات وتفرّد بالملك والملكوت ) أي العالم السفلي والعلوي ( جبار الأرض والسماوات ) . وفي بعض النسخ : جبار السماوات ، فدل ذلك على أن ذلك الصنع الغريب والفعل الواقع على غاية من الاتقان وحسن الترتيب واقع منه سبحانه وصادر عنه دون تلك الحيوانات التي لا عقول لها ولا علم بتفاصيل ما يصدر عنها . وقد فرض الشيخ أبو الحسن الأشعري الدليل عليهم في أفعال الساهي والغافل ، فإنها عندهم محض فعله مع سهوه وغفلته ، ولو جاز وقوع الفعل من الجاهل بتفاصيله لبطلت دلالة الأفعال على علم الفاعل ، فإن قالوا : هذا الدليل له يدل على امتناع الفعل من العبد وغايته لو سلم لكم أن يدل على أنه ليس فاعلا له وأنتم تدعون الامتناع ، فلو قدر أن صادقا أنبأ شخصا بتفاصيل فعله للزم على موجب قولكم أن يصح كونه خالقا له . قلنا : الغرض من هذا الدليل إبطال ما صرتم إليه من أن الواقع من العبد محض فعله ، وأنتم لا تقولون به . وإذا حاولنا الدليل على امتناع احداث العبد لفعل ما استدللنا بعموم وقدرة اللّه تعالى وإرادته وعلمه ، فإن نسبتها إلى جميع الممكنات نسبة واحدة ، فإن الفعل الممكن إنما افتقر إلى القادر من حيث إمكانه وحدوثه ، فلو تخصصت صفاته تعالى ببعض الممكنات للزم اتصافه بنقيض تلك الصفات من الجهل والعجز ، وذلك نقص والنقص مستحيل عليه ولاقتضى تخصيصها مخصصا وتعلق المخصص بذات واجب الوجود وصفاته وذلك محال ، وإذا ثبت عموم صفاته فلو أراد اللّه تعالى ايجاد حادث وأراد العبد خلافه ونفذ مراد العبد دون مراد اللّه تعالى لزم المحال المفروض في اثبات إلهين واللّه أعلم .

[ الأصل الثاني : أن انفراد اللّه سبحانه باختراع حركات العباد لا يخرجها عن كونها مقدوره للعباد ]

( الأصل الثاني : أن انفراد اللّه سبحانه باختراع حركات العباد ) جمع العبد ، والمراد به