وفي قوله تعالى :
وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ * أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
[ الملك : 13 - 14 ] ، وأمر العباد بالتحرز في أقوالهم وأفعالهم وأسرارهم وأضمارهم لعلمه بموارد أفعالهم . واستدل على العلم بالخلق ، وكيف لا يكون خالقا
شرح
محل النزاع بيننا وبينهم كخشب السرير بالنسبة إلى النجار ، وحيث كان كذلك فلا حجة لهم علينا بهذه الآية . إذ ليس فيها ما يصرح بالحصر على أن بعضهم قال : إن ذلك الجسم بدون عمل العباد لا يكون معمولا ، واللّه تعالى أثبت الخلق للمعمول ، فدل أن العمل الذي صار به الجسم المخلوق معمولا كان مخلوقا حتى جعل المعمول مخلوقا له اه . ولا يخلو عن تأمل .
قال الغنيمي في حواشي أم البراهين ولا حجة لنا عليهم بها أيضا بناء على أن « ما » مصدرية ، إذ هي كما تحتمل المصدرية تحتمل أن تكون موصولة في اللسان العربي ، كما ذهب إليه الأخفش في الآية ونحوها من كل فعل متعد اتصلت به « ما » . والدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال وخصوصا في مسائل الدين ، فإن المطلوب فيها غالبا اليقين اه . فدعوى أن القول بكونها موصولة جهل باللسان العربي فتأمله .
ثم قال المصنف : ( وفي قوله ) تعالى( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ )أي بالضمائر قبل أن يعبر عنها سرا أو جهرا( أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ )ألا يعلم السر والجهر من أوجد الأشياء حسبما قدرته حكمته( وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )[ الملك : 13 ، 14 ] المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن ، ووجه الدلالة فيها أنه ( أمر العباد بالتحرز في أقوالهم وأسرارهم واضمارهم ) بفتح الهمزة جمع ضمير كشريف واشراف ، وإنما اختاره على الضمائر ليكون مع ما قبله نسقا واحدا ( لعلمه بموارد أفعالهم ) كلها ، ( واستدل على العلم بالخلق ) في قوله ( ألا يعلم من خلق ) فظهر أنها خرجت مخرج التمدح والثناء ، ومن السنّة الصحيحة ما يصح أن يكون دليلا على هذا المطلب في الصحيحين حديث الايمان الطويل وفيه :
« وأن تؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره » وفي صحيح مسلم : « ولا تقل في شيء أصابك لو كان كذا فإن لو تفتح باب الشيطان ولكن قد قدر اللّه وما شاء فعل » ، وفي حديث جابر : « أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء » وأشار إلى السبابة والوسطى يحركها ، وهذا هو متمسك المحدث . وأما الصوفي يقول : إذا قيل بما عرفت اللّه فيقول بنقض العزائم ، ويقول : كيف يكون لغير اللّه فعل وهو معه بعموم التكوين ، وما يبدو فيه من التحريك والتسكين وهو معكم أينما كنتم أي تكون كونكم الشامل لذواتكم وأعراضكم وأفعالكم من حركاتكم وسكناتكمقُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ[ الأنعام : 162 ، 163 ] ، وأما الدليل العقلي ؛ فهو أنه لو كان فعل العبد واقعا بقدرته لكان عالما به ضرورة أنه مختار ، والاختيار فرع العلم والتالي باطل لما يجده كل عاقل من عدم علمه حالة قطعه لمسافة معينة بالأجزاء والأحيان والحركات التي بين المبدأ والمنتهى ، وكذا الأناة التي يتألف منها ، وكذا حالة نطقه بالحروف يجد كل عاقل من نفسه