أفعال عباده مخلوقة له ومتعلقة بقدرته تصديقا له في قوله تعالى :
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
[ الزمر : 62 ] ، وفي قوله تعالى :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
[ الصافات : 96 ] ،
شرح
صحيح ، ولكن الأولى أوفق والخلق والصنع والإنشاء والابداع والاختراع والفعل قيل مترادفات ، والحق انها متغايرات . وقد سبقت الإشارة إليه ( وأوجد قدرتهم وحركتهم ) ، والمراد بها ماء يعم الحركة الأينية وغيرها ، ( فجميع أفعال عبيده ) إذا ( مخلوقة له ومتعلقة بقدرته ) ، وهذا ما اتفق عليه السلف قبل ظهور البدع . وقال المعتزلة : المحدثون مخترعون أفعالهم بقدرهم وخالقوها واللّه تعالى غير موصوف بالاقتدار على أفعال العباد ، وقد ألزمهم المصنف بدلائل نقلية وعقلية وقدم النقلية لشرفها وإليها أشار بقوله : ( تصديقا له ) أي للمطلوب السابق الذي هو الخالق اللّه ولا خالق سواه ، وأن الحوادث كلها بقدرته ( في قوله تعالى )ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ( خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) « 1 » ، ووجه الدلالة أن الآية خرجت مخرج المدح ، فلا يصح أن يكون المخلوق بعض الأشياء إذ لو كان المخلوق بعض الأشياء كما يزعم الخصم لما كانت مدحا إذ عنده كثير من الحيوانات يخلق البعض فلا يكون ثم اختصاص فلا مدح فيتعين الجميع ، وإذا تعين الجميع بطل أن يكون خلق لغير اللّه تعالى ، وذلك هو المطلوب ، ومثل ذلك قوله تعالى :أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ[ الرعد : 16 ] ووجه الدلالة كما قبلها مع ما فيها من زيادة الانكار من مطابقتها على عين دعوى المخالف ، إذ هو يقول يخلق كخلقه على تقدير أن العبد يخلق أفعاله ، ولو عنينا في قول المصنف هذه الآية لم يبعد ، ومثل ذلك أيضا قوله تعالى :أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ[ النحل : 17 ] تمدح بالخلق ، فلو شاركه غيره في الخلق لما تم التمدح ، وقال على وجه الانكار :هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ[ فاطر : 3 ] ، وقال في الثناء على نفسهأَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ[ الأعراف : 54 ] وقال تعالى :خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً[ الفرقان : 2 ] فهذه الآيات كلها شاهدة لما استدل به المصنف على تحقيق المطلوب . ( وفي قوله ) تعالى :وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ[ الصافات : 96 ] ، حكاية عن قول إبراهيم عليه السّلام لهم حين كانوا ينحتون الأحجار بأيديهم ثم يعبدونها ، ووجه الدلالة فيها إما على أن ما مصدرية أي موصولا حرفيا لا يحتاج إلى عائد ، فيستغنى عن تقدير الضمير المحذوف فلو جعلت موصولا اسميا فظاهر للتصريح بأن العمل وهو الفعل مخلوق ، والمعنىوَاللَّهُ خَلَقَكُمْوخلق عملكم ، وإليه ذهب سيبويه ، واعترضت المعتزلة بأن معنى الآية إنكار السيد إبراهيم عليهم عبادة مخلوق ينحتونه بأيديهم ، والحال أن اللّه تعالى خلقهم وخلق ذلك المنحوت ، والمصدرية تنافي هذا الانكار ، إذ لا طباق بين إنكار عبادة ما ينحتون وبين خلق عملهم . وحاصل الجواب المعارضة ببيان حصول الطباق مع المصدرية . إذ المعنى عليها أتعبدون منحوتا تصيرونه بعملكم صنما ، والحال أن اللّه خلقكم وخلق عملكم الذي يصير به المنحوت صنما ، فقد ظهر الطباق ، وكذا على أن تكون ما
هامش
( 1 ) غافر : 62 وتصويب الآية :« ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ » .