تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
. . . . . . . . . .
شرح
يقول له : « كن » وهو مجاز عن سرعة الايجاد عند الجمهور منّا دال على ايجاده تعالى الأشياء وتكوينه عند تعلق إرادته بلا تراخ ولا تعذر ، وليس بمعنى تعلق القدرة المقارنة بالإرادة لأنه علق على الإرادة أي تعلقها المدلول بقوله تعالى :لِما يُرِيدُ ،وقوله :إِذا أَرادَ شَيْئاًفدل على أنه غيره لأن المعلق غير المعلق عليه بالضرورة ، ودل على الوجود والتأثير في الأوّل ورتب عليه الوجود المدلول عليه بقوله :فَيَكُونُفي الثاني ، فدل على أنه غير تعلق القدرة لأن تعلقها بصحة وجود المقدور دون الوجود ودل الوصف بالمشتق على قيام أمر حقيقي بالموصوف ، فثبت قيام أمر لازم لمبدئه وكونه صفة له أزلية والأمر يرجع لمتعلق القدرة المقارنة بالإرادة إذ لا تعلق بالفعل في الأزل ، ولأنه ابطال لدلالة تلك المشتقات بالكلية . وفي المعارف شرح الصحائف فإن قلت : لم لا يكفي القدرة والإرادة في وجود الأشياء ، فما الحاجة إلى صفة أخرى ؟ قلت : لا خفاء ان القدرة والإرادة بدون التأثير لا يكفيان في وجود الأثر والتأثير بصفة التكوين ، واعترض الفخر الرازي بأن صفة القدرة مؤثرة على سبيل الجواز أي جاز أن تتعلق بالتأثير ، وجاز أن لا تتعلق وصفة التخليق إن كانت مؤثرة على سبيل الوجوب لزم أن يكون اللّه تعالى موجبا لا مختارا وهو محال . والجواب : أن تأثير صفة الخلق في المخلوق على سبيل الوجوب على معنى أنه متى خلق اللّه تعالى وجب وجود المخلوق وإلّا يلزم العجز ، وأما تعلقها باختياره وهو المراد بالحصول ، فعلى سبيل الجواز لأنه متى شاء خلق ومتى شاء لم يخلق والقدرة بعكس ذلك ، إذ تأثيرها على سبيل الجواز وحصولها للّه تعالى على سبيل الوجوب فلخلق جهتان جهة الايجاب وجهة الجواز ، ولا يلزم من ايجابه كون اللّه تعالى موجبا لما علمت ، ولأن جهة جوازه غير جهة جوازها فظهر لك أن إرجاع التكوين إلى تعلق القدرة والإرادة تحكم وتناقض ، والثاني ما أشار إليه بقوله : فكان اللّه خالقا قبل أن يخلق ورازقا قبل أن يرزق . أي : فخلق المخلوقات ورزقها في الوقت الذي تعلق به تلك الصفة ، وليست هي القدرة لأنه كان قادرا على خلق الشموس والأقمار في هذا العالم لكنه ما خلقها ، فالقدرة حاصلة دون التخليق فهما متغايران ، وإليه أشار بقوله : وفعله أي مبدؤه صفة أي القائمة به تعالى في الأزل أي أن صفة الفعل لو لم تكن مستقلة بل راجعة إلى تعلق القدرة والإرادة وعين المكون في التحقق لزم إخلاء المشتق عن الدلالة على ثبوت المبدأ والخلو عن صفة كمال ، ثم قال : والفاعل أي المكوّن للموجودات هو اللّه الواجب المتعال المتصف بصفات الكمال ، فلو لم يكن الفعل والتكوين صفة حقيقية له لزم خلوه عن صفة كمال وإخلاء المشتق الدال عليه واستغناء الحوادث المحال ، فالمراد بالفاعل من شأنه أن يوجد الشيء البتة في وقت أراد أن يوجده فيه دون من صدر منه الفعل لعدم استقامة الحصر عليه ، لأن الكاسب أيضا يوصف بالفاعل على الحقيقة عند أهل السنة ، ثم أشار إلى مغايرته للمكون بقوله : وفعل اللّه أي مبدأ فعله المدلول بالمشتقات غير مخلوق لما يلزمه ما ذكر من المحالات دون نفس الفعل والتأثير لأنه ليس متعلق الخلق والايجاد في الخارج فلا يفيد نفيه ، بل لا يصح نفيه أيضا إشارة إلى أن التكوين القائم به تعالى ليس نفس التأثير