تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
مكتوبة في ورقة صغيرة ومحفوظة في مقدار ذرة من القلب وإن كل ذلك مرئي في مقدار عدسة من الحدقة من غير أن تحل ذات السماوات والأرض والجنة والنار في الحدقة والقلب والورقة ، فليعقل كون الكلام مقروءا بالألسنة محفوظا في القلوب مكتوبا في المصاحف من غير حلول ذات الكلام فيها إذ لو حلت بكتاب اللّه ذات الكلام في الورق لحل ذات اللّه تعالى بكتابة اسمه في الورق ، وحلت ذات النار بكتابة اسمها في الورق ولاحترق .
شرح
المحسوسات والوجدانيات ، ويختص الآدمي عنها بالقدرة على استحضار العلوم في الذهن وتركيبها وترتيبها ترتيبا يتوصل به إلى إدراك الغائبات ، وكل ذلك يعتمد الكلام النفسي اه . ثم قال : ( وإن عقل كون السماوات السبع ) والعرش والكرسي ( والأرض وكون الجنة والنار مكتوبة في ورقة صغيرة ومحفوظة في تعداد ذرة من القلب و ) عقل ( أن ذلك مرئي في مقدار عدسة من الحدقة ) التي فيها إنسان العين ( من غير أن تحل ذات السماوات والأرض ) والعرش والكرسي ( والجنة والنار في الحدقة والورقة ، فليعقل كون الكلام مقروءا بالألسنة ) الظاهرة ( محفوظا في القلوب ) الباطنة ( مكتوبا في المصاحف بالاحبار المتنوّعة من غير حلول ذات الكلام فيها ) . أي : في تلك المصاحف قطعا ( إذ لو حلت بكتاب ذات الكلام ) فرضا وتقديرا ( لحل ذات اللّه تعالى بكتابة اسمه في الورق ، ولحلت ذات النار بكتابة اسمها في الأوراق ولاحترقت ) . ولكان من نطق بالنار احترق فمه ، والجنة والنار مكتوبتان في المصاحف ، ثم أحد لا يتخيل أنهما مدرجتان فيها بالذات ، وكذا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مكتوب في التوراة والإنجيل لا على معنى أنه حال فيهما ، ولكن فيهما دلالة عليه وهو المكتوب صلّى اللّه عليه وسلّم بتلك الكتابة . وقد أوضحه المصنف في إلجام العوام بوجه آخر فقال : اعلم أن لكل شيء في الوجود أربع مراتب : وجود في الأعيان ، ووجود في الأذهان ، ووجود في اللسان ، ووجود في البياض المكتوب عليه كالنار مثلا ، فإن لها وجودا في التنور ووجودا في الخيال والذهن ، وأعني بهذا الوجود العلم بصورة النار وحقيقتها ، ولها وجود في اللسان وهي كلمة دالة عليها أعني لفظ النار ، ولها وجود في البياض المكتوب عليه بالرقوم ، والاحراق صفة خاصة للنار والمحرق من هذه الجملة هي التي في التنور دون التي في الأذهان . وفي اللسان وعلى البياض إذ لو كان المحرق هو الذي في البياض أو اللسان لاحترق ، ثم قال : وكذلك القدم وصف كلام اللّه تعالى وما يطلق عليه القرآن له وجود على أربع مراتب : أولاها : وهي الأصل وجود قائم بذات اللّه تعالى ، والثانية : وجود العلم في أذهاننا عند التعلم قبل أن ننطق بلساننا ، ثم وجوده في لساننا بتقطع أصواتنا ، ثم وجوده في الأوراق بالكتابة ، فإذا سئلنا عما في أذهاننا من علم القرآن قبل النطق به ؟ قلنا : علمنا صفتنا وهي مخلوقة لكن المعلوم به قديم ، فإذا سئلنا عن صوتنا وحركة لساننا ؟ قلنا : ذلك صفة لساننا