تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
ومن لم يعقله عقله ولا نهاه نهاه عن أن يقول : لساني حادث ولكن ما يحدث فيه بقدرتي الحادثة قديم ، فاقطع عن عقله طمعك وكف عن خطابه لسانك . ومن لم يفهم
شرح
وقد أنكره العلاء المرداوي من الحنابلة في شرح تحرير الأصول وقال : هو موضوع على الأخطل ، وليس هو في نسخ ديوانه وإنما هو لابن صمصام ولفظه : إن البيان اه . وقد استرسل بعض علمائنا من الذين له تقدم ووجاهة وهو علي بن علي بن محمد بن الغزي الحنفي ، فقال في شرح عقيدة الإمام أبي جعفر الطحاوي ما نصه : وأما من قال أنه معنى واحد واستدل بقول الأخطل المذكور ، فاستدلال فاسد . ولو استدل مستدل بحديث في الصحيحين لقالوا هذا خبر واحد ، ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول والعمل به ، فكيف وهذا البيت قد قيل أنه مصنوع منسوب إلى الأخطل وليس هو في ديوانه ؟ وقيل : إنما قال : إن البيان لفي الفؤاد ، وهذا أقرب إلى الصحة ، وعلى تقدير صحته عنه فلا يجوز الاستدلال به ، فإن النصارى قد ضلوا في معنى الكلام ، وزعموا أن عيسى عليه السّلام نفس كلمة اللّه واتحد اللاهوت بالناسوت أي شيء من الإله بشيء من الناس ، فيستدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلام عن معنى الكلام ، ويترك ما يعلم من معنى الكلام في لغة العرب ، وأيضا فمعناه غير صحيح إذ لازمه أن الأخرس يسمى متكلما لقيام الكلام بقلبه ، وإن لم ينطق به ولم يسمع ، وهذا معنى عجيب وهو أن هذا القول له شبه قوي بقول النصارى القائلين باللاهوت والناسوت اه . إلخ . ولما تأملته حق التأمل وجدته كلاما مخالفا لأصول مذهب إمامه ، وهو في الحقيقة كالرد على أئمة السنّة كأنه تكلم بلسان المخالفين وجازف وتجاوز عن الحدود حتى شبه قول أهل السنّة بقول النصارى ، فليتنبه لذلك . ثم تحامل المصنف عليهم بقوله : ( ومن لم يعظه عقله ) أي الكامل ( ولا نهاه نهاه ) بالضم جمع نهية ، وهي العقل لكونه ينهى عن القبيح ، ومن ذلك قوله تعالى :إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى[ طه : 128 ] وبين نهاه ونهاه جناس تام مع الاشتقاق ( عن أن يقول لساني ) الذي أنطق به ( حادث ، ولكن ) العرض القائم به وهو ( ما يحدث فيه ) أي ينشأ فيه ( بقدرتي الحادثة ) هو ( قديم ) قائم بالذات ولم يفهم أن الأجسام التي لها أوّل إذا جعلت على كيفية مخصوصة صارت قديمة ( فاقطع عن عقله ) أي عن رجوعه إلى عقله والتدبر في الحق الصريح ، وفي بعض النسخ : عن فهمه ( طمعك ) أي رجاءك في رجوعه إلى ما تقرره بل ( وكف ) أي : امنع ( عن خطابه ) ومذاكرته ( لسانك ) ، فقد رسخ في ذهنه ما تخيله فلا ينفك عنه إذ صار له ذلك كالطبع والجبلة ، فإزالة ذلك عسر جدا ، ثم لما كان من مذهب المخالفين القول بقدم الحروف والأصوات وإنها قائمة بذات الحق سبحانه أشار بالرد عليهم بقوله : ( ومن لم يفهم أن القديم عبارة عما ليس قبل كل شيء ) والمحدث ما لم يكن
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 232 | مرتضى الزبيدي