تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
إلى الآن لم ير غيره فليعقل في حاسة السمع ما عقله في حاسة البصر . وإن عقل أن يكون له علم واحد هو علم بجميع الموجودات فليعقل صفة واحدة للذات هو كلام بجميع ما دل عليه بالعبارات . وإن عقل كون السماوات السبع وكون الجنة والنار
شرح
متحيز ( ولا قدر ) معلوم ( ولا كمية ) متصلة ، أو منفصلة ( وهو إلى الآن لم ير غيره فليعقل في حاسة السمع ما عقله في حاسة البصر ) أي : فليعقل سماع ما ليس بصوت وهو لا يكون إلا بطريق خرق العادة ، كما نبّه عليه الباقلاني . وفي لباب الحكمة الإلهية للمصنف كلام اللّه تعالى ليس سوى إفاضة مكنونات علمه على من يريد إكرامه كما قال تعالى :وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ[ الأعراف : 143 ] شرفه اللّه بعزه وقربه بقدسه وأجلسه على بساط انسه وشافهه بأجل صفاته وكلمه بعلم ذاته ، كما شاء كلمه وكما أراد سمع لا يندرج كلامه تحت الكيفية ولا يحتاج إلى سؤال العلمية ولا يوصف بالماهية والكمية ، بل كلامه كعلمه وعلمه كإرادته وإرادته كصفته وصفته كذاته وذاته أجل من التنزيه والتكبر وصفاته أجلى من التفسير والتفصيل خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير . قلت : وقد تقدم أن الماتريدي استحال سماع ما ليس بصوت ووافقه الأستاذ الأسفرايني واختاره ابن الهمام وقال : وهو الأوجه عندي لأن المخصوص باسم السمع من العلم ما يكون إدراك صوت ، وإدراك ما ليس صوتا قد يخص باسم الرؤية وقد يكون له الاسم الأعم . أعني : العلم مطلقا عن التقييد بمتعلق . قال ابن أبي شريف : ولمن انتصر للأشعري أن يقول بل المخصوص باسم السمع من العلم ما يكون إدراكا بالقوّة المودعة في مقعر الصماخ ، وقد يخلق لها إدراك ما ليس بصوت خرقا للعادة فيسمى سمعا ، ولا مانع من ذلك بل في كلام الماتريدي في كتاب التوحيد له ما يشهد لذلك على ما نقله عنه صاحب التبصرة ؛ وهو جواز سماع ما ليس بصوت ، والخلاف إنما هو في الواقع للسيد موسى عليه السّلام ، فأنكر الماتريدي سماعه الكلام النفسي وقال : إنما سمع صوتا دالا على كلام اللّه تعالى كما تقدم فتأمل . ثم قال : ( وإن عقل أن يكون علم واحد هو علم بجميع الموجودات فليعقل صفة واحدة للذات هو كلام بجميع ما دل عليه بالعبارات ) من أمر ونهي واخبار ، وقد جاز في الشاهد أن يكون الشيء الواحد أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا ، فكذلك يجوز في الغائب ولم يكن مستحيلا . وهذه العبارات مخلوقة لأنها أصوات وهي أعراض سميت تلك العبارات كلام اللّه لدلالتها عليه وتأديه بها ، والاختلاف في العبارات المؤدية لا الكلام . وقال ابن التلمساني : كل آمر وناه يجد في نفسه اقتضاء وطلبا يعبر عنه بالعبارات المختلفة والكتابة والإشارة وما في النفس لا يختلف لاختلاف الدلالات ، فكذلك المخبر يجد في نفسه حديثا يعبر عنه بالألفاظ المختلفة ، وهذا الوجدان ضروري لا نزاع فيه ، ثم قال : ومن أنكر كلام النفس فقد أنكر أخص وصف الإنسانية ، فإن الآدمي يشاركه البهائم في إدراك
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 234 | مرتضى الزبيدي