عليها تارة بالحركات والإشارات ، وكيف التبس هذا على طائفة من الأغبياء ولم يلتبس على جهلة الشعراء حيث قال قائلهم :
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا
شرح
المفردين تعلق أحدهما بالآخر أو إضافته إليه على جهة الإسناد الإفادي . أي : بحيث إذا عبر عن تلك النسبة بلفظ يطابقها ويؤدي معناها كان ذلك اللفظ إسنادا إفاديا .
وقال النسفي في الاعتماد صانع العالم متكلم بكلام واحد أزلي ، وهو صفة قائمة بذاته ليست من جنس الحروف والأصوات غير متحيز مناف السكوت والآفة وهو به آمر ناه مخبر .
قلت : ودليل الأشاعرة والماتريدية في إثبات صفة الكلام واحد . قالوا : لو لم يكن صانع العالم متكلما للزم النقص وهو محال . أما الملازمة فإن صانع العالم حي وكل حي فهو إما متكلم أو مؤف ، والآفة نقص فتعين أن يكون متكلما وهو المطلوب ، وأما دليل السمع فقوله عز وجل :وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً[ النساء : 164 ] إلّا أن عند الأشاعرة كلامه تعالى مسموع لما أن كل موجود كما يجوز أن يرى يجوز أن يسمع عنه . وعند ابن فورك المسموع عند قراءة القارئ شيئان : صوت القارئ ، وكلام اللّه تعالى . وعند الشيخ أبي منصور الماتريدي : كلامه غير مسموع لاستحالة سماع ما ليس بصوت إذ السماع في الشاهد يتعلق بالصوت ويدور معه وجودا وعدما .
وذكر في التأويلات أن موسى عليه السّلام سمع صوتا دالا على كلام اللّه تعالى وخص بكونه كليم اللّه لأنه سمع من غير واسطة الكتاب والملك لا أنه ليس فيه واسطة الحرف والصوت ، اه .
وقد يستدل المحدث أيضا على اثبات صفة الكلام له تعالى بما تقدم ، وأما الصوفي فيقول :
الكلام صفة كمالية إذ مرجع ذلك إلى الانباء عن الشيء وكل الأشياء قابلة للانباء ، فلا بد من حصول تلك الصفة على كمالها ، وحصولها على الكمال لا يكون إلا بحيث لا موقع لنقيضها . وذلك لا يكون في واجب الوجود فواجب الوجود له تلك الصفة الكمالية إذ هو الذي له الكمال المطلق وهو المطلوب ، ثم استشعر المصنف كلام المخالفين لمعتقد الأشاعرة وهم الحنابلة والمعتزلة ، فإنهم أنكروا الكلام النفسي وقالوا : ليس الكلام مشتركا بين العبارة ومدلولها ، بل الكلام هو الحروف المسموعة فهو حقيقة فيها مجاز في مدلولها ، فقال رادّا عليها متعجبا منهم بقوله : ( وكيف التبس هذا ) أي كيف خفي أمره ( على طائفة من الأغبياء ) جمع غبي وهو الفدم الذي لا يدري شيئا . وأصل الغباوة الغفلة والجهل وتركيبها يؤذن بالخفاء ، ومنه قول الشاعر :وإذا خفيت على الغبي فعاذر * إن لا تراني مقلة عمياء( ولم يلتبس ) ذلك ( على جهلة الشعراء ) جمع جاهل ، والمراد به الأخطل كما وقع التصريح بذلك في أكثر كتب الأشاعرة والماتريدية وأوّله :لا يعجبنك من أمير خطبة * حتى يكون مع الكلام أصيلا
( إن الكلام لفي الفؤاد إنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا )