تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ
[ الانعام : 83 ] ، وكما عقل كونه فاعلا بلا جارحة وعالما بلا قلب ودماغ فليعقل كونه بصيرا بلا حدقة وسميعا بلا أذن إذ لا فرق بينهما . الأصل السادس : أنه سبحانه وتعالى متكلم بكلام وهو وصف قائم بذاته ليس بصوت ولا حرف ، بل لا يشبه كلامه كلام غيره كما لا يشبه وجوده وجود غيره ،
شرح
والبصر يستدعي حدقة وأذنا فقال : ( وكما عقل كونه ) عز وجل ( فاعلا ) مختارا ( بلا جارحة ) من الجوارح ( وعالما بلا قلب ودماغ ) ، وإنما ذكرهما جميعا لما أن علم المخلوق قد اختلف في محله أهو الدماغ أو القلب فجمع بين القولين ، ( فليعقل كونه ) تعالى ( بصيرا بلا حدقة ) وهي محركة التي فيها انسان العين ويجمع على احداق ( وسميعا بلا أذن ) بضمتين معروف ، وجمعه : آذان ( إذ لا فرق بينهما ) . إذ تأملت حق التأمل .

[ الأصل السادس : في بيان أحد صفات المعاني التي هي الكلام ]

( الأصل السادس ) : في بيان أحد صفات المعاني التي هي الكلام فقال : ( إنه سبحانه وتعالى متكلم بكلام ) إعلم أن مسألة الكلام ذات تشعب كثير وبحث المبتدعة منتشر شهير ، حتى قيل : إنما سمي فن أصول الدين بعلم الكلام لأجله فلا كبير جدوى في تطويل مباحثه . وقد قال بعض المحققين : الحق أن التطويل في مسألة الكلام ، بل وفي جميع صفاته تعالى بعد ما يستبين الحق في ذلك قليل الجدوى لأن كنه ذاته وصفاته محجوب عن العقل ، وعلى تقدير التوصل إلى شيء من معرفة الذات فهو ذوقي لا يمكن التعبير عنه ، ولذلك لا أذكر في هذا المبحث إلا ما يقتضيه المقام من التكلم على عبارة المصنف رحمه اللّه تعالى ، فما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى . فأقول : اعلم أن البحث في هذا المقام يرجع إلى أمرين : الأول : انه تعالى متكلم ، والثاني : أنه تعالى متكلم بكلام نفسي قائم بذاته . وفي أثناء ذلك بيان صحة إطلاق الكلام عليه لغة ، وأن اطلاقه عليه هل يكون مجازا أو حقيقة ؟ وقد أشار المصنف إلى كل ذلك بقوله : إنه سبحانه وتعالى متكلم بكلام ( وهو وصف قائم بذاته ) أما قيامه بذاته ؛ فلأنه تعالى وصف نفسه بالكلام في قوله تعالى :قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً[ البقرة : 38 ] ، وقوله :وَقُلْنا يا آدَمُ[ البقرة : 35 ] ومواضع أخرى كثيرة ، والمتكلم الموصوف بالكلام لغة من قام الكلام بنفسه لا من أوجد الحروف في غيره ( ليس بصوت ولا حرف ) . أما الصوت ؛ فهو كيفية قائمة بالهواء تحملها إلى الصماخ . وقال الراغب : الهواء المنضغط عن قرع جسمين وذلك ضربان : مجرد عن انتفاء شيء لشيء كالصوت الممتد ، ومنتقش بصورة . والمنتقش ضربان : ضروري كما يكون من الحيوان والجماد ، واختياري كما من الإنسان ، وذلك ضربان : ضرب باليد كصوت العود ، وضرب بالفم ، وما بالفم ضربان : نطق وغيره كصوت النائي . والنطق : إما مفرد من الكلام أو مركب ، وأما الحرف فهو كيفية عارضة للصوت ، ولذا قيل : لو قدم الحرف على الصوت في التعبير كان أولى لأن الصوت بمنزلة العام ، والحرف بمنزلة الخاص . ولا يلزم من نفي الخاص نفي العام إذ قد يوجد صوت بدون حرف ولا ينعكس ، فكان تأخيره أتم في الفائدة ، ولكن قد
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 229 | مرتضى الزبيدي