والكلام بالحقيقة كلام النفس ، وإنما الأصوات قطعت حروفا للدلالات كما يدل
شرح
وجهه بعض المحققين . فقال : قدمه على الحرف لكونه معروضا له متقدما عليه بالطبع فتأمل .
( بل لا يشبه كلامه كلام غيره ) لأنه صفة من صفات الربوبية ولا مشابهة بين صفات الباري وصفات الآدميين ، فإن صفات الآدميين زائدة على ذواتهم لتكثر وحدتهم فتقوم أنفسهم بتلك الصفات ، وتتعين حدودهم ورسومهم بها ، وصفة الباري تعالى لا تحد ذاته ولا ترسم فليست إذا بشيء زائد على الباري تعالى ، ( كما لا يشبه وجوده وجود غيره ) ومن ظن أن صفاته تشابه صفات غيره فقد أشرك ، لأن الخالق لا يشبه المخلوق . ثم اعلم أن الكلام عند أهل الحق يقال على المعنيين . يقال على النظم المركب من الأصوات والحروف وهو الكلام اللساني ، وعلى المعنى القائم بالنفس وهو المسمى بالكلام النفساني . وهذا الاطلاق بالاشتراك اللفظي والحقيقة والمجاز والمختار عند الأشاعرة الأوّل : أي أنه مشترك بين الألفاظ المسموعة وبين الكلام النفسي ، وذلك لأنه قد استعمل لغة وعرفا فيهما ، والأصل في الاطلاق الحقيقة فيكون مشتركا . أما استعماله في العبارة فكثير كقوله تعالى :مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ[ البقرة : 75 ] فأجره حتى يسمع كلام اللّه ثم أبلغه مأمنه ، ويقال : سمعت كلام فلان وفصاحته يعني ألفاظه الفصيحة . وأما استعماله في المعنى النفسي ، وهو مدلول العبارة فكقوله سبحانه :وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ[ المجادلة : 8 ]وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ[ الملك :
13 ] ، وقول عمر رضي اللّه عنه يوم السقيفة : زورت في نفسي قولا ، والقول يقال على ما يقال عليه الكلام إما بترادف أو تباين الخاص والعام ، وقيل : حقيقة في اللساني مجاز في النفساني ، وقيل : بالعكس . وإليه أشار المصنف بقوله : ( والكلام بالحقيقة كلام النفس ، وإنما الأصوات قطعت حروفا للدلالات كما يدل عليها تارة بالحركات والإشارات ) ، فهذا منه تصريح أن الكلام النفسي هو الحقيقة ، وأن المعنى القائم بالنفس هو الكلام حقيقة ، والحروف والأصوات دلالات عليه ومعرفات له ، وأنه حقيقة واحدة هي الأمر والنهي والخبر والاستخبار ، وأنها صفات لها لا أنواع إن عبر عنه بالعربية كان عربيا أو بالسريانية كان سريانيا ، وكذلك في سائر اللغات ، وأنه لا يتبعض ولا يتجزأ ، وهذا قول الأشاعرة ، ثم اختلفوا فقال إمام الحرمين وغيره :
الكلام المطلق حقيقة هو ما في النفس شاهدا وغائبا وإطلاق الكلام على الحروف والأصوات مجاز وإليه مال المصنف كما ترى . وقال الجمهور منهم : يطلق على كل منهما بالاشتراك اللفظي ، وإليه أشرنا أوّلا بقولنا ، والمختار ثم إنهم استدلوا على ثبوت الكلام النفسي بأن قالوا : لا شك في وجود معنى قائم بنا نجده من أنفسنا عند التعبير أو الإشارة والكتابة ، كما يجده الطالب مع الاستدعاء لحصول المطلوب وتطلبه إياه وليس ذلك هو الإرادة لوجوده بدونها فيمن أمر عبده معتذرا للسلطان من عدم امتثاله عند توعده ، فإن السيد يأمره ولا يريد وليس هو العلم لأنه قد يخبر عن غير معلومه ، ولا غير ذلك من المعاني النفسانية لنفي لوازمها عنه ، فثبت أن هناك أمرا قائما بأنفسنا هو المسمى بالكلام ، والأقرب في تعريفه أنه نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلم ، وقيل :
هو حديث النفس عن معلومها حصولا واستدعاء ، ويعني بالنسبة بين المفردين أي بين المعنيين