تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
تستقيم حجة إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم على أبيه إذ كان يعبد الأصنام جهلا وغيا فقال له :
لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
[ مريم : 42 ] ولو انقلب ذلك عليه في معبوده لأضحت حجته داحضة ودلالته ساقطة ولم يصدق قوله تعالى :
وَتِلْكَ حُجَّتُنا
شرح
نقص لا ينتفي ذلك النقص إلا بهما ، والاله سبحانه وتعالى مستحق لأوصاف الكمال . وقال ابن فورك في المدخل الأوسط : الدليل عليه أنه تعالى موجود حي لا تليقه به الآفات التي تضاد السمع والبصر وكل حي ليس به آفة تضاد السمع والبصر فهو سميع بصير . وقال إمام الحرمين في لمع الأدلة إذ قد ثبت كونه حيا والحي لا يخلو عن الاتصاف بالسمع والبصر والكلام واضدادها واضداد هذه الصفات نقائص والرب يتقدس عن سمات النقص . وقال ابن القشيري في التذكرة الشرقية : إذ لو لم يتصف بهما لا تصف بضدهما وقد وجدنا الحي فيما بيننا يجوز أن يكون سميعا بصيرا ، ولم نجد لقول السمع والبصر علة إلا كونه حيا ، فعلمنا ان كل حي قابل للسمع والبصر والباري تعالى حي ، فهو إذا قابل للسمع والبصر فلو لم يتصف بهما لا تصف بضدهما لأن كل ذات قبلت معنى ، ولذلك المعنى ضد استحال خلوه من ذلك المعنى وعن ضده وفيه احتراز عن الحركة والسكون وبيان مراعاة العلل دون اعتبار مجرد الشاهد في محكم الغائب . وقال شيخ مشايخنا في إملائه : لو لم يكن سميعا بصيرا لكان أصم أعمى ، وذلك نقص والنقص عليه تعالى محال لاحتياجه إلى من يكمله وذلك يستلزم حدوثه . وقال البكي في شرح الحاجبية : أما كونه سميعا بصيرا فقد اتفق عليه أهل السنّة أما الأشعري فيقول : قد ثبت أن الباري تعالى عالم مريد حي وكل حي سميع أو قابل لذلك والواجب لا يتصف بالقبول بل كل ما يجوز له فهو واجب له ، وأيضا فإنهما صفتا كمال والخلو عنهما نقص أو قصور في الكمال ، وأيضا قد أجمعت عليه الكتب السماوية وخصوصا القرآن وهذا دليل المحدث . وأما الصوفي فيقول : حديث التقرب بالنوافل بيّن لكل من هو إلى عبوديته واصل أن السميع والبصير هو اللّه فقط ، ثم أشار المصنف رحمه اللّه تعالى إلى أن عدم السمع والبصر نقص في المعبود وأيده بقوله : ( أو كيف تستقيم حجة ) سيدنا ( إبراهيم ) الخليل ( صلّى اللّه عليه ) وعلى نبينا ( وسلم على أبيه ) آزر كما هو نص القرآن ، أو هو تارخ كما هو قول النسابة . وآزر عمه واستعمال الأب على العم شائع في الاستعمال ( إذ كان ) أي آزر ( يعبد الأصنام ) والتماثيل ( جهلا ) منه ( وغيا ) عن طريق الرشد ، ( فقال له ) إبراهيم عليه السّلام كما حكي عنه في الكتاب العزيز : يا أبتلِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً[ مريم : 42 ] فأفاد أن هذه صفات لا يليق بالمعبود أن يسلبها ( ولو انقلب ذلك عليه في معبوده ) بحيث سلبت عنه تلك الصفات ( لأضحت حجته ) التي احتج بها على خصمه ( ودلالته ) التي استدل بها على تحقيق مقصوده ( ساقطة ) في حد ذاتها ولم تكن ملزمة له أصلا ( و ) إذا ( لم يصدق قوله تعالى ) في قصته :( وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ )نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ[ الأنعام : 83 ] الآية . والفرق بين الحجة والبينة قد تقدم في أول الكتاب ، ثم أشار بالرد على من زعم أن إثبات صفتي السمع