وخفايا الوهم والتفكير ، ولا يشذ عن سمعه صوت دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء . وكيف لا يكون سميعا بصيرا والسمع والبصر كمال لا محالة وليس بنقص ؟ فكيف يكون المخلوق أكمل من الخالق والمصنوع أسنى وأتم من الصانع ؟
وكيف تعتدل القسمة مهما وقع النقص في جهته والكمال في خلقه وصنعته ، أو كيف
شرح
إدراكها للأصوات على حصول الهواء الموصل إلى الحاسة وتأثر الحاسة ، ولا كبصر المخلوق الذي هو قوّة مودعة في العصبتين المجوّفتين الخارجتين من الدماغ ، بل المراد بالسمع صفة وجودية قائمة بالذات شأنها إدراك كل مسموع وإن خفي ، والمراد بالبصر صفة وجودية قائمة بالذات شأنها إدراك كل مبصر وإن لطف ، وقد أشار المصنف إلى ذلك ، فقال : على طريق اللف والنشر غير مرتب ( لا يعزب ) أي لا يغيب ( عن رؤيته هواجس الضمير وخفايا الوهم ) والهاجس ما يخطر بالبال والوهم بمعناه ( والتفكير ) أي ما خفي عنه وهو مصدر فكره مشددا إذا أورده في فكره . وقال المصنف في المقصد الأسنى : البصير هو الذي يشاهد ويرى حتى لا يعزب عنه ما تحت الثرى مع التنزيه عن أن يكون بحدقة وأجفان والتقديس عن أن يرجع إلى انطباع الصور والألوان في ذاته ، كما ينطبع في حدقة الإنسان فإن ذلك من التغير والتأثر المقتضي للحدثان ، وإذا نزه عن ذلك كان البصر في حقه عبارة عن الصفة التي ينكشف بها كمال نعوت المبصرات ، وذلك أوضح وأجلى مما تفهمه من إدراك البصر القاصر على ظواهر المرئيات . ( ولا يشذ ) أي لا ينفرد ولا يبعد ( عن سمعه ) مسموع وإن خفي فيسمع السر والنجوى ، بل ما هو أرق من ذلك وأخفى يسمع ( صوت دبيب ) أي حركة أرجل ( النملة ) الصغيرة المسماة بالذرة ، ثم وصفها فقال : ( السوداء ) لأنها إذا كانت كذلك كانت أشد في الخفاء ( في الليلة الظلماء ) الشديدة السواد ( على الصخرة الصماء ) الملساء بغير أصمخة وآذان منزه سمعه من أن يتطرق إليه الحدثان ، ومهما نزهت السميع عن تغير يعتريه عند حدوث المسموعات وقدسته عن أن يسمع بآذان أو آلة علمت أن السمع في حقه عبارة عن صفة ينكشف بها كمال صفات المسموعات ، ومن لم يدقق نظره فيه وقع بالضرورة في محض التشبيه فخذ منه حذرك ودقق فيه نظرك قاله المصنف في المقصد الأسنى . ثم اعلم أن ثبوت صفتي السمع والبصر بالسمع فقد ورد وصفه تعالى بهما فيما لا يكاد يحصى من الكتاب والسنّة وهو مما علم ضرورة من دينه صلّى اللّه عليه وسلّم فلا حاجة بنا إلى الاستدلال عليه كسائر ضروريات الدين ، ومع ذلك فقد استدل عليه المصنف وقال : ( وكيف لا يكون سميعا بصيرا والسمع والبصر صفتا كمال ) وقد اتصف بهما مخلوق ( وليس بنقص ) فهو تعالى أحق بالاتصاف بهما من المخلوق ، وقد أشار إلى ذلك بقوله :
( فكيف يكون المخلوق أكمل من الخالق والمصنوع أسنى ) أي أرفع ( وأتم من الصانع ، وكيف تعتدل القسمة مهما وقع النقص في جهته والكمال في خلقه وصنعته ) هذا لا يتصوّره عاقل . وفي هذا الاستدلال الذي ذكره المصنف اختلفت عباراتهم ، ولكن المآل إلى ما ذكره .
قال أبو القاسم القشيري في كتاب الاعتقاد : والدليل عليه أنهما صفتا مدح في ثبوتهما نفي