الأصل الخامس : العلم بأنه تعالى سميع بصير لا يعزب عن رؤيته هواجس الضمير
شرح
تنبيه :
هذه الأصول الأربعة التي ذكرها المصنف ولاء وذكر في كل أصل صفة من الصفات قد ضم إليها ابن الهمام في مسايرته الثامن والتاسع ، وهما في بيان قدم العلم والإرادة ، وأورد الكل في فصل واحد ، وقال : حاصل ستة منها العلم بأنه تعالى قادر عالم حي مريد ، ثم قرر ما تضمنه الأصلان الأوّلان بما أورده هنا ممزوجا بشرح تلميذه ابن أبي شريف قال : لما ثبتت وحدانيته في الألوهية ثبت إسناد كل الحوادث إليه تعالى . والألوهية الاتصاف بالصفات التي لأجلها استحق أن يكون معبودا وهي صفاته التي توحد بها سبحانه فلا شريك له في شيء منها وتسمى خواص الألوهية ، ومنها الايجاد من العدم وتدبير العالم والغنى المطلق على الموجب والموجد في الذات وفي كل من الصفات ، فثبت افتقار الحوادث في وجودها إليه ، فكل حادث من السماوات وحركاتها بكواكبها الثابتة وحركات كواكبها السيارة على النظام الذي لا اختلاف فيه والأرضين وما فيها وما عليها من نبات وحيوان وجماد وما بينهما من السحاب المسخر ، ونحو ذلك كل مستند في وجوده إلى الباري سبحانه وهو مشاهد لنا منها كمال الإحسان في إيجادها من اتقان صنعها وترتيب خلقها ، وما هديت إليه الحيوانات من مصالحها ، وما أعطيته من الآلات على مقتضى الحكمة البالغة البارعة التي يطلع على طرف منها علم التشريح ومنافع خلقة الإنسان وأعضائه ، ويستلزم ذلك قدرته أي ثبوت صفة القدرة له وعلمه بما يفعله ويوجده ، والعلم بهذا الاستلزام فيهما ضروري ، ولكن ينبه عليه بأن من رأى خطا حسنا يتضمن ألفاظا عذبة رشيقة تدل على معان دقيقة علم بالضرورة أن كاتبه المنشىء له عالم بتأليف الكلام والكتابة قادر عليهما ، وينضم إلى هذا أي إلى ثبوت العلم له تعالى أنه هو الموجد لأفعال المخلوقات ، فيلزمه أي يلزم ما ذكر من المنضم والمنضم إليه علمه بكل جزئي جزئي خلافا للفلاسفة في قولهم : أنه تعالى يعلم الكليات وأنه إنما يعلم الجزئيات على وجه كلي لا على الوجه الجزئي وهو باطل . إذ كيف يوجد ما لا يعلم ، وقد أرشد إلى هذا الطريق قوله تعالى :أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[ الملك : 14 ] هذا ما تضمنه الأصلان ، وأما ما تضمنه الأصل الثالث فقد قرره بقوله : والعلم والقدرة أي الاتصاف بهما بلا اتصاف بحياة محال . أي : وليس معنى الحياة في حقه تعالى ما يقوله الطبيعي من قوّة الحس ولا قوة التغذية ولا القوّة التابعة للاعتدال النوعي التي يفيض عنها سائر القوى الحيوانية ولا ما يقوله الحكماء ، وأبو الحسن البصري من المعتزلة من أن معنى حياته تعالى كونه يصح أن يعلم ويقدر ، بل هي صفة حقيقية قائمة بالذات تقتضي صحة العلم والقدرة والإرادة ، ثم قرر ما تضمنه الأصل الرابع بما قد ذكرناه في أثناء كلام المصنف قريبا . وأما ما تضمنه الأصل الثامن والتاسع فسيأتي بيانه في موضعه قريبا إن شاء اللّه تعالى .